يُطرح سؤال ساذج من الملحدين في ظل التطور العلمي المتسارع، وهو: إذا نجح العلماء يوماً في تجميع خلية حية في المختبر، فهل يسقط ذلك دور الخالق؟
وإذا كان الله يخلق من لا شيء، والإنسان “يخلق” من شيء، فأين تكمن الفجوة ؟
وتأتي سذاجة السؤال من سهولة الإجابة فالمنهج القرآني الذي سبق العلم الحديث بقرون في تفكيك هذا الوهم، من خلال فرق جوهري بين:”الإيجاد” و “التركيب”، مدعوماً ببراهين عقلية ونصوص قطعية من الكتاب والسنة.
أولاً: البرهان القرآني على استحالة “الخلق من العدم” لغير الله.
يؤسس القرآن الكريم لمنطق عقلي صارم لا يقبل الجدال في مسألة نشأة الوجود. يقول الله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} (سورة الطور: 35).
هذه الآية تحصر الاحتمالات العقلية في ثلاثة، وتبطل اثنين منها لتثبت الثالث:
1 – أن يكونوا خُلقوا من “لا شيء” (وهو محال عقلي، فالعدم لا يولد شيئاً).
2 – أن يكونوا هم الذين خلقوا أنفسهم (وهو محال أيضاً، لأن الشيء لا يوجد قبل وجوده ليخلقه).
3 – الاحتمال الوحيد الباقي والمنطقي: أن هناك خالقاً أوجدهم.
والعلماء في مختبراتهم لا يبدأون من “لا شيء”، ولا يستطيعون صناعة خلية إنسانية حية كاملة من الصفر (أي من مواد جامدة ويبدأون بذرات كربون، وهيدروجين، وأكسجين، وطاقة، وقوانين كيميائية)، ويقتصر التقدم العلمي على تعديل الخلايا البشرية الموجودة بالفعل، أو تحويل نوع خلوي إلى آخر، أو محاكاة الأجنة مختبرياً لأغراض علاجية وبحثية.
ثانياً: مثل “الذباب” .. الحجة القاطعة على عجز البشر عن “صنع الحياة” أعظم رد قرآني على من يتوهم أن البشر قادرون على “صنع الحياة” أو خلق كائن حي، هو المثل الذي ضربه الله في سورة الحج. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} (سورة الحج: 73).
– التدبر العلمي للآية:
لو افترضنا أن كل علماء الأحياء، والكيميائيين، والفيزيائيين في العالم، اجتمعوا بكل أجهزتهم المتطورة، فلن يستطيعوا “خلق” ذبابة من العدم. وحتى لو حاولوا “تجميع” ذبابة من أجزاء ميتة، فلن يستطيعوا نفخ “روح الحياة” فيها، ولا حتى استرداد شيء سلبته منهم ذبابة حقيقية.
الخلية الحية التي يتحدث عنها العلم المعاصر هي أعقد بملايين المرات من أبسط كائن مثل الذبابة. إذا كان البشر عاجزين عن خلق ذبابة، فكيف يدعون أنهم “خلقوا” خلية؟ ما يحدث في المختبرات هو مجرد برمجة لكود وراثي (DNA) ووضعه داخل غشاء خلية موجودة مسبقاً ومفرغة من محتواها. هذا يشبه من يكتب برنامجاً جديداً على هاتف ذكي؛ هو لم يصنع الهاتف، ولم يخترع الكهرباء، ولم يضع قوانين الفيزياء التي تعمل بها الرقائق الإلكترونية.
ثالثاً: أسماء الله الحسنى توضح الفجوة بين فعل الله وفعل الإنسان:
يصف الله نفسه في القرآن بأسماء متتابعة توضح مراحل الإبداع التي لا يشاركه فيها أحد: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (سورة الحشر: 24).
– الخالق: هو الذي قدّر الأشياء وأوجد مقاديرها (مثل من يخطط ويحدد المقاييس).
– البارئ: هو الذي أوجد الشيء من العدم إلى الوجود (الإيجاد الفعلي).
– المصور: هو الذي أعطى هذا الموجود شكله وهيئته النهائية.
فالإنسان قد يلمس طرفاً ضئيلاً جداً من “التصوير” (إعادة التشكيل)، لكنه عاجز تماماً عن “البرء” (الإيجاد من العدم)، وعاجز عن “الخلق” (وضع المقادير والقوانين الأصلية). الذرات التي يستخدمها العالم، والجاذبية التي تمسكها، والروابط الكيميائية التي تسمح بالاتحاد، كلها من إبداع “الخالق البارئ المصور”.
– رابعاً: الخلية كشاهد على عظمة الخالق، لا على نفيه:
كلما تقدم العلم واخترق أسرار الخلية، لم يجد عبثاً أو صدفة، بل وجد نظاماً محكماً يفوق أي مصنع بشري. وهذا ما أشار إليه القرآن في دعوتنا للتأمل في الدقة الكونية، سواء في الكون الفسيح أو في العالم المجهري: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} (سورة الملك: 3).
كلمة “تفاوت” أو “فطور” (صدوع أو خلل) تنطبق تماماً على الخلية. لو كان هناك خطأ واحد في ترتيب بروتين، أو في نسخ شفرة الـ DNA، لمات الكائن أو تشوه. هذه الدقة المتناهية التي يحافظ عليها النظام الحيوي تلقائياً، هي آية من آيات الله، عجز العلماء عن محاكاة هذه الخلية الطبيعية التي تعمل مجاناً وبصمت في كل لحظة، وهذا دليل على عظمة الخالق جل في علاه .
– خامساً: موقف السنة النبوية من البحث العلمي والتأمل:
الإسلام لم يحارب العلم، بل جعله طريقاً للإيمان. لكن النبي الكريم ﷺ وضع الحدود المنهجية لهذا التفكير حتى لا يتيه الإنسان.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقْدِرُوا قَدْرَهُ». (رواه الطبراني والبيهقي).
هذا الحديث هو الدستور العلمي للمؤمن:
1 – “تفكروا في خلق الله”: هذا تشجيع صريح للعلماء لدراسة الخلية، والجينات، والكون، لأن كل اكتشاف جديد هو كشف لجزء من “صنعة الله”.
2 – “ولا تفكروا في الله”: أي لا تحاولوا إدراك “كنه” و”ذات” الخالق بعقولكم المحدودة، أو تقارنوا قدرته المحدودة بقدرتكم القاصرة.
وفي الختام نقول: تدبير الله في كونه وخلقه باقٍ، والعلم مجرد أداة كشف.
ولو نجح العلم في صنع خلية حية، فإن دور الله يظل حاضراً في كل خطوة:
1 – فالله هو من أوجد المادة الخام (الذرات) التي لعب بها العلماء.
2 – الله هو من وضع القوانين الفيزيائية والكيميائية التي سمحت بحدوث هذا التفاعل.
3 – الله هو من وهب هذا العالم “العقل” الذي اهتدى إلى هذه المعرفة.
والعلم يخبرنا عن “الكيفية”(كيف ترتبط الذرات؟)، أما الدين فيخبرنا عن “المصدر” (من أوجد الذرات والقوانين والعقل؟).
ما يفعله العلماء تجاه الخلية هي مجرد “إعادة تدوير” لخلية موجودة وإبداع هندسي بشري ضمن قوانين إلهية ثابتة مثل إنتاج شرائح اللحم بيولوجيا من خلية حيوانية.
أما “الخلق من لا شيء”، وإيجاد الحياة من الجماد، وإيداع الروح، فهو اختصاص إلهي مطلق، لا يشاركه فيه مخلوق، ولن يشاركه فيه مخلوق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (سورة الزمر: 62).
وإلى لقاء يتجدد إن شاء الله.










