مقالات الرأى

الأكاديمي والكاتب د.عيسى فلاح العازمي يكتب: اللغة المكسرة… جرس إنذار للمجتمع

مقالات للرأي

من يتأمل حديث بعض الأطفال في هذه الأيام يلاحظ
ظاهرة تستحق الوقوف عندها بجدية. فالكثير منهم يتحدث بلغة مكسرة، لا هي عربية سليمة ولا هي لهجة محلية واضحة، بل خليط من كلمات أجنبية ومصطلحات مستوردة من ألعاب الفيديو وأفلام الكرتون ومقاطع الإنترنت. حتى إن المستمع يشعر أحيانًا وكأنه يستمع إلى شخص يتعلم العربية حديثًا وليس إلى طفل عربي نشأ في بيئة عربية.
المشكلة لا تكمن في تعلم اللغات الأجنبية، فتعلم اللغات أمر محمود ومطلوب في عصر المعرفة، ولكن الخلل يظهر عندما تصبح اللغة الأم ضعيفة ومهزوزة، ويعجز الطفل عن التعبير عن أبسط أفكاره بلغة عربية سليمة أو حتى بلهجته المحلية التي تمثل جزءًا من هويته وثقافته.
الجيل السابق لم يكن يمتلك ما نملكه اليوم من وسائل تعليم وتقنيات حديثة، ومع ذلك كان أكثر قدرة على التعبير وأكثر ثراءً في المفردات. كان الطفل يسمع الحديث من والديه وأجداده، ويخالط الكبار، ويقرأ الصحف أو القصص، ويستمع إلى البرامج الهادفة، فتتشكل لديه حصيلة لغوية واسعة تساعده على الحديث بثقة وفهم ما يدور حوله.
أما اليوم فقد أصبحت الشاشة هي المربي الأول لكثير من الأطفال. يقضي الطفل ساعات طويلة أمام محتوى لا يعزز لغته العربية ولا ينمي مفرداته، فينشأ بمخزون لغوي محدود، ويجد صعوبة في التعبير والقراءة والفهم. والأسوأ من ذلك أن ضعف اللغة ينعكس على التفكير نفسه، فاللغة ليست مجرد كلمات، بل هي أداة للفهم والتحليل والتواصل.
إن المحافظة على اللغة تبدأ من الأسرة قبل المدرسة. عندما يتحدث الوالدان مع أبنائهم، ويشجعونهم على القراءة، ويربطونهم بتراثهم وثقافتهم، فإنهم يحمون هويتهم قبل أن يعلموهم المفردات. كما أن المؤسسات التعليمية والإعلامية مطالبة بدورها في تقديم محتوى جذاب يحافظ على سلامة اللغة ويقربها إلى الأجيال الجديدة.
إن ضعف اللغة ليس قضية شكلية أو هامشية، بل قضية هوية وثقافة وانتماء. فالأمة التي تضعف لغتها تضعف صلتها بتاريخها وقيمها وذاكرتها. ومن هنا فإن العناية بلغة أبنائنا ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة لحماية مستقبلهم ومستقبل مجتمعاتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى