أخبار ومتابعات

د إسماعيل أبو الليل يكتب: الزواج بين الوفاء والغدر

الوفاء خلق جميل يحمل جملة من المعاني الجميلة، يعني الإخلاص وحفظ العهد.. وعندما يكون الوفاء بين الزوجين يتحول إلى حق مشترك بينهما؛ لأنه إحدى الدعائم الأساسية لإستقرار البيوت وسعادتها.. كما أنه يجعل كلا من الزوجين يحمل حبا وودا ورحمة.. لكن الواقع الذي نعيشه يؤكد أن الوفاء أصبح عملة نادرة في حياتنا الزوجية فكم من زوج تخلى عن زوجته لأنها مرضت بعد أن عاشت معه سنوات طويلة من الكفاح، وكم من زوجة تخلت عن زوجها لأنه لم ينجب أو لأنه فقد عمله أو ضاع ماله في تجارة.
و الكثير من الأزواج والزوجات لا يعرفون أن الوفاء حق للطرف الآخر عليه، ويقول: نحن لم نربِ أولادنا على الوفاء والتضحية لشريك الحياة، فالفتاة التي ترى أمها وفية لأبيها في حال صحته وشبابه وكثرة ماله فإذا شاب شعره وكبرت سنه ورق عظمه انقلبت وتطاولت عليه وقد يصل الحال بها إلى تسليط أبنائه عليه فتحرضهم على عدم الوفاء له والبر به لن تكون وفية هي الأخرى لزوجها لأنها لم تجد من يعلمها الوفاء للرابطة الزوجية، وكذلك الابن الذي يجد في والده رجلا وفيا لأمه عندما كانت وترعى بيته وأولاده فإذا ما ابتليت بداء أو مرض أو حتى أغضبته في أمر بسيط تنكر لها وعاقبها.
ونحن في أمس الحاجةي إلى زرع خلق الوفاء في نفوس أولادنا منذ الصغر، فالأب يجب أن يعلم ابنه أن الرجولة معناها الوفاء والمعاملة بالمعروف ورد الجميل كما أن الزوجة يجب أن تغرس في بناتها الوفاء في علاقتها بزوجها وأهله بأن تكون صبورة متسامحة معه خاصة في أوقات الأزمات وتعلمها أن الوفاء ليس تكرما منها على زوجها بل حق واجب له
إن الزوج القاسي غليظ القلب، من أسوأ ما يمكن أن تُبتلى به المرأة، فهو بخشونة تعامله وحدّة انفعالاته يُحول حياتها إلى جحيم، ويجعلها تعيش في ضنك، فلا هي تسعد بوجودها معه، ولا هي تستطيع أن ترضيه.. ومهما فعلت يكون الصراخ نصيبها، وأينما ولت وجهها استشعرت برد جليده نحوها، أما إن واجهته أو تعاملت معه بالمثل فيا ويلها ويا ويلها.
واقع كئيب حقا ذاك الذي يخلو من المشاعر والأحاسيس، وحظ سيئ ذاك الذي يوقع غزالة وديعة في حضن أسد مفترس، لكن الجلوس والنواح لا يفيد شيئا بكل تأكيد، والواجب التفكير في طرق لإذابة جليد القسوة الذي يلف قلب الزوج، وما ذلك بالأمر الصعب إن تصرفت المرأة بذكاء خارق على الإطلاق، وفكرت في التغيير بدل الهروب بعيدا أو الطلاق..إن قسوة الزوج تكون نابعة في الأصل من قلبه المتحجّر نتيجة الكبت الذي عاشه في عائلته ومحيطه. بمعنى أوضح أرى أنه تربى على الجفاء والغلظة، وبما أن فاقد الشيء لا يعطيه، فإنه يعامل زوجته كما تَعَامل معه أهله فترة نشأته الأولى.. هذا الزوج يكون في الغالب تربى إما محروما من حنان الأم، أو معنويا من قسوة الأب، أو كَبَر في بيت تغلب عليه المشاكل ولا يُعبّر أفراده عن حبهم لبعضهم بالعناق والكلمات الجميلة، وإنما ينزوي كُلُُ في ركن ركين ويعيش في عالمه الخاص.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الرجل من الممكن أن يكون قد تربى على موروثات خاطئة مثل: أن الرجل هو الصواب دائما، وهو الآمر والناهي وصاحب الكلمة والقوامة، والمرأة عليها أن تكون تحت سيطرته ورهن إشارته، ومن حقه عليها أن تطيعه فيما أمر دون معارضة، وإن اعتذرت أو تأففت أو تذمرت فلا بدّ أن يؤدبها. والمصيبة أن المرأة في مجتمعنا تكون قد تدربت على التعامل مع قسوته والاستسلام لغلظته، إذ لا تجرؤ على مواجهته مع أن ذلك يجرحها ويؤلمها ويكسرها.
لقد أمر الله تعالى الأزواج أن يُعاشروا زوجاتهم بالمعروف، وحذّر من ظلمهم؛ لأنّه يُعد من الذُنوب التي لا يغفرها الله -تعالى- إلا بمسامحة زوجته له، ويعد هذا النوع من الظُلم من الكبائر، (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).وقال النبيّ -صلى الله عليه وسلم :الظلمُ ثلاثةٌ، فظُلمٌ لا يغفرُهُ اللهُ، وظلمٌ يغفرُهُ، وظلمٌ لا يتركُهُ، فأمّا الظلمُ الذي لا يغفرُهُ اللهُ فالشِّركُ، قال اللهُ: “إِنَّ الْشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ”، وأمّا الظلمُ الذي يغفرُهُ اللَّهُ فَظُلْمُ العبادِ أنفسُهمْ فيما بينهُمْ وبينَ ربِّهمْ، وأمّا الظلمُ الّذي لا يتركُهُ اللهُ فظُلمُ العبادِ بعضُهمْ بعضًا حتى يَدِينَ لبعضِهِمْ من بعضٍ.
ومن صور ظلم الزوج لزوجته: أخذ حقوقها وإيذائها بالقول والفعل، (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).
كذلك ضرب الزوج لزوجته بشكل مستمر من غير سبب، أو إيقاع الأذى بها بالقول والفعل،وهذا مما حذر منه الإسلام (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).
إن إهانة الزوج لزوجته واعتداءه عليها – سواء كان بالضَّرْب أو بالسب – أمر محرم شرعًا، وفاعل ذلك آثمٌ، ومخالف لتعاليم الدين الحنيف. إن الحياة الزوجية مبناها على السكن والمودة والرحمة؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقد أمر الشرعُ الشريف الزوجَ بإحسان عِشْرة زوجته، حتى جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم معيار الخيرية في الأزواج قائمًا على حُسْن معاملتهم لزوجاتهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي .
لقد حَثَّ الشرع على الرِّفْق في معالجة الأخطاء، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفق في الأمر كله؛ فقال: إنَّ الرِّفقَ لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزَعُ مِن شيء إلا شانَه.
ولم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد أهان أو ضرب أحدًا من زوجاته أبدًا، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: مَا ضَرَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده، ولا امرأةً ولا خادمًا.
وعندما جاء الاسلام معلنًا عن تكريمها بعد بعثة النبي ﷺ ،نظرنا إلى بعض الرجال فرأينا أن بعضهم مازال غارقًا في ظلمات الجهل، يرى الزوجة على أنها شيء يمتلكه فيشد من قبضة يده عليها، ويتحكم بها ضاربًا بمشاعرها عرض الحائط. يراها وكأنها قطعة أثاث يحركها وقتما شاء وكيفما أراد،صارخًا في وجهها بأقسى العبارات، منهالاً عليها بضربات تلهب قلبها حزنًا، وتعتصره ألمًا.
إن الغالب في أكثر المنازل اللغة السائدة والجملة المشهورة لدى كل رجل: أنا رجل أفعل ما أشاء .
عذراً أيها الزوج، عذراً أيها الابن، عذراً أيها الأب، عذراً أيها الأخ،فليست الرجولة بالصوت العالي، أو بقدرتك على قمع أنفاس قواريرك.
هل فهمت يوما معنى كلمة القوامة؟ ولماذا قال الله عزوجل في كتابه العزيز: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ” إن معنى (قوَّام)، القوَّام هو المبالغ في القيام، أي القائم على أمور بيته، الحافظ على أهله، أي أنك الملك في بيتك فلا تقسو عليهن . أخي الكريم: أنت الملك فى بيتك، وزوجتك هي مليكتك في عرش بيتك، فلاتكن قاسيًا، كاتمًا لأنفسهن ولتكن كريمًا في معاملتك لهن.
إن المرأة في بيت كل رجل؛ كالبستان متى سقيتها بماء الكلمات العذبة أزهرت وأعطتك أجمل الروائح الزكية العطرة، وكلما نظرت إليها فأسرت عيناك بجمالها؛ فإن هذا نتاج معاملتك لها. أما إن سقيتها ببذاءة كلماتك وأسلوبك القاسي المتذمر من كل شيء تفعله؛ ذبُلت وخبى جمالها، وأصبحت بلا عطر يجذبك إليها.
رفقًا بالقوارير، قالها نبيك وحبيبك أفضل خلق الله؛ ليؤكد عليك حُسن العشرة والمعاملة الحسنة فيما بينكم. ومعنى كلمة قوارير: هي وِعاءٌ من الزُّجاج تُحفَظُ فيه السّوائل. وما أجمله من تشبيه، فالمعروف عن الزجاج أنه يحتاج لعناية ورعاية خاصة.
إعلم أيها الزوج، أن الزجاج إذا جُرِح أو خُدِش؛ فإنه يفقد بريقة، وإذا تحطم لا يستطيع العودة كما كان.
هذا هو حال الزوجة مثل القارورة، فرفقًا بها من نظرات ولسان يخدش جمالها،ورفقًا بها من أيدٍ تصفع البراءة وتكسرها، فلا تستطيع أن تعود بها إلى سابق عهدها من نقاء القلب وبشاشة الوجه. فإذا حدث و كُسِرت قارورتك فلا تلومن إلا نفسك.
كثير من الرجال إلا من رحم ربي يهدم السعادة في منزله بأبشع العبارات،فيهدم عليه الأساس دون أن يدري، يظل ضاغطًا عليها في الصغيرة والكبيرة حتى تتكون بداخلها بركان من المشاعر الغاضبة الرافضة لتلك المعاملة
وهى التي حلمت ببناء منزل قوى أساسه الرحمة والمودة والسكن.
نعم أساس أي بيت المودة، والرحمة، وحسن المعاملة، فإذا استطعت أن تبنى بيتك على هذا الأساس فقد فزت أنت وأهل بيتك، وإن لم تستطع فاعلم أن منزلك هشُُ ضعيف البنية مع أول خلاف تهاوى وتداعى بسبب ضعفه.
قد تجف مشاعر الحب من طرف الزوج ويبدأ في إهمالها، يشحن هاتفه ليل ونهار، وينسى أن يشحن قارب الحياة الزوجية ببضع كلمات، تراه يدخل ويخرج متأففًا ليس معتبرا لحالها، ولو أنه التفت إليها ونظر في عينيها لرأى شلالات من الدموع تحبس، وكلمات تريد الصراخ به لتقول:كفى بهذا العذاب هجرًا، كفى ببريق عيناي الذي انطفئا. فرفقا بالقوارير معاشر الرجال.

زر الذهاب إلى الأعلى