لواء دكتور أحمد زغلول مهران يكتب: رسالة إلى الأجيال القادمة •• لا تجعلوا المال غايتكم
مقالات للرأي
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن ينشأ جيل يعتقد أن النجاح يقاس بحجم الحساب البنكي وأن الغاية تبرر الوسيلة وأن النفوذ يمكن أن يحل محل الكفاءة وأن المال قادر على شراء كل شئ فهذه الثقافة لا تهدد الأفراد فحسب بل تهدد مستقبل الأوطان بأكملها .
إن الأجيال الجديدة بحاجة إلى أن تدرك أن الثروة الحقيقية ليست فيما يملكه الإنسان بل فيما يمثله من قيم وما يتركه من أثر فالعلم يرفع صاحبه والعمل الشريف يخلد اسمه والنزاهة تبني مستقبله أما المال إذا انفصل عن الأخلاق فقد يتحول إلى سبب في سقوطه مهما بلغ حجمه ولهذا فإن الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلام جميعها تتحمل مسؤولية غرس هذه المبادئ في نفوس الشباب حتى يدركوا أن الطريق الأقصر إلى المال ليس دائماً الطريق الصحيح وأن المكسب غير المشروع قد يمنح صاحبه ثراءً مؤقتاً لكنه يسلبه راحة الضمير واحترام المجتمع .
*عندما تنتصر الأخلاق على النفوذ*
لقد أثبتت تجارب الدول المتقدمة أن العدالة لا تستقيم إلا عندما يخضع الجميع للقانون دون استثناء وأن هيبة الدولة لا تتحقق بقوة مؤسساتها الأمنية وحدها بل بثقة المواطن في أن القانون يطبق على الجميع وأن النفوذ المالي أو الاجتماعي لا يمنح صاحبه امتيازاً فوق حقوق الآخرين ومن هنا فإن محاربة الفساد ليست مجرد واجب حكومي بل مسؤولية وطنية يشترك فيها المواطن والإعلام والقضاء ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص فكل جنيه يُكتسب بطرق مشروعة يسهم في بناء الوطن وكل مال يُجمع باستغلال النفوذ أو مخالفة القانون يهدم جزءاً من الثقة التي يقوم عليها المجتمع ولهذا فإن أعظم رسالة يمكن أن تقدمها الدولة لمواطنيها هي أن العدالة لا تُشترى وأن الكرامة الإنسانية لا تُساوم وأن القانون هو المظلة التي تحمي الجميع دون تفرقة .
*رأس المال الأخلاقي •• أساس الأمن القومي والتنمية المستدامة*
قد يظن البعض أن الأمن القومي يرتبط فقط بالقوة العسكرية أو الإمكانات الاقتصادية لكن الحقيقة أن أحد أهم أعمدته هو رأس المال الأخلاقي للمجتمع فالدولة التي تنتشر فيها النزاهة والشفافية والعدل تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وأكثر جذباً للاستثمار وأكثر استقراراً سياسياً واجتماعياً إن الفساد لا يستنزف الأموال فحسب بل يستنزف ثقة المواطنين ويقوض الشعور بالمساواة ويخلق فجوة بين المجتمع ومؤسساته وفي المقابل فإن احترام القانون وتعزيز قيم النزاهة يصنعان بيئة يشعر فيها الجميع بأن حقوقهم مصونة وأن الفرص تُمنح على أساس الكفاءة لا النفوذ ومن هنا فإن الاستثمار في الأخلاق لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية بل هو الضمان الحقيقي لاستدامة أي مشروع تنموي أو اقتصادي .
*نحو مجتمع يكرم أصحاب المبادئ قبل أصحاب الثروات*
إن المجتمع الذي يرفع من شأن أصحاب العلم والعمل والأخلاق هو مجتمع يبني مستقبله على أسس راسخة أما المجتمع الذي يجعل المال وحده معياراً للتقدير فإنه يفتح الباب أمام ثقافة الاستعراض والجشع والفساد ولذلك يجب أن نعيد صياغة مفهوم النجاح في وعينا الجمعي بحيث يكون النجاح الحقيقي هو القدرة على تحقيق الإنجاز مع الحفاظ على الشرف والنزاهة واحترام القانون فلا قيمة لثروة تُبنى على ظلم ولا معنى لمنصب يُستخدم للإضرار بالآخرين ولا مكانة حقيقية لنفوذ يخالف العدالة إن أعظم تكريم يمكن أن يحصل عليه الإنسان ليس ما يملكه من أموال بأن يقال عنه بعد رحيله كان نزيهاً وكان أميناً وكان نافعاً لوطنه ومجتمعه .
*رؤية استراتيجية لبناء رأس المال الأخلاقي*
إن بناء مجتمع متماسك لا يتحقق بالشعارات بل بخطة متكاملة ترتكز على خمسة محاور رئيسية كالتالى :
١- تعزيز سيادة القانون وترسيخ مبدأ المساواة الكاملة أمام العدالة بحيث لا يكون المال أو المنصب أو النفوذ سبباً في الإفلات من المساءلة .
٢- بناء منظومة تعليمية تغرس قيم الأمانة والانضباط والمسؤولية المجتمعية منذ المراحل الأولى حتى يصبح الالتزام الأخلاقي جزءاً من شخصية الفرد .
٣- دعم الإعلام الوطني المسؤول ليكون شريكاً في إبراز النماذج الإيجابية ومواجهة ثقافة تمجيد الثراء غير المشروع أو الشهرة الزائفة .
٤- تشجيع القطاع الخاص على تبني برامج المسؤولية المجتمعية وربط النجاح الاقتصادي بالمساهمة في تنمية المجتمع وتحسين جودة الحياة .
٥- ترسيخ ثقافة الولاء والانتماء بحيث يدرك كل مواطن أن حماية القانون واحترام حقوق الآخرين والحفاظ على المال العام هي صور حقيقية من صور حب الوطن .
لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي جعلت الأخلاق أساساً للحكم والإدارة والاقتصاد استطاعت أن تبني حضارات باقية بينما انهارت إمبراطوريات امتلكت المال والقوة لكنها فقدت العدل والقيم فالمال وحده لا يصنع أمة والنفوذ وحده لا يبني مجداً والسلطة وحدها لا تمنح صاحبها الخلود .
إن الإنسان قد ينجح في شراء منزل فاخر لكنه لا يستطيع شراء أسرة تحبه بصدق وقد يقتني أفخم السيارات لكنه لن يشتري راحة الضمير وقد يجمع المليارات لكنه لن يشتري احترام الناس إذا كان قد فرط في مبادئه أو استغل نفوذه أو تجاوز القانون .
ولهذا فإن الرهان الحقيقي لأي مجتمع لا يجب أن يكون على تراكم الثروة وحدها بل على بناء الإنسان الذي يحسن استخدامها فالثروة بلا أخلاق قد تتحول إلى أداة للهيمنة والفساد أما الثروة التي تقودها القيم فتصبح قوة دافعة للتنمية والعدالة والازدهار .
*وفي نهاية ••* سيُغلق آخر حساب مصرفي وستنتقل الممتلكات إلى أصحابها الجدد وستطفأ أضواء القصور لكن شيئاً واحداً سيظل حاضراً لا يزول •• سيرة الإنسان فهي المرآة التي تعكس حقيقته والإرث الذي يورثه للأجيال والشهادة التي ينطق بها الناس دون طلب .
فاجعل من النزاهة رصيدك الأكبر ومن الصدق عنوانك ومن خدمة وطنك رسالتك ومن احترام القانون منهجك لأن رأس المال الأخلاقي هو الثروة الوحيدة التي لا تُسرق ولا تفقد قيمتها ولا تتأثر بالأزمات بل تزداد بريقاً كلما اقترنت بالعمل الصالح والإخلاص والعدل .
وعندما يكتب التاريخ صفحاته الأخيرة عن الإنسان لن يسأل كم كان يملك بل سيسأل ماذا قدّم؟ وكيف عاش؟ وماذا ترك في قلوب الناس؟ وهنا فقط تتجلى الحقيقة الخالدة فى *أن المال قد يصنع الرفاهية لكن الأخلاق وحدها هي التي تصنع الاحترام وتبني السمعه وتخلد أصحابها في ذاكرة الأوطان*










