د راندا رزق تكتب: عمالة الأطفال بين الحماية الاجتماعية والأمن القومي… رؤية من واقع مسؤولية التنمية المستدامة
مقالات للرأي

تُعد قضية مناهضة ومكافحة عمالة الأطفال واحدة من أخطر القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد ملف حقوقي أو إنساني فقط، بل أصبحت اليوم جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي للدول، لما لها من تأثير مباشر على مستقبل المجتمعات واستقرارها التنموي والاجتماعي.
إن الطفل الذي يُدفع مبكرًا إلى سوق العمل خارج إطار الحماية القانونية والتعليمية، هو طفل يُنتزع من حقه الأساسي في التعليم، ويُعرض لمسار حياة يكرّس الفقر بدلاً من كسره، ويعيد إنتاج دوائر الأمية والتهميش. ومن هنا فإن عمالة الأطفال ترتبط ارتباطًا أصيلاً بمشكلة التسرب من التعليم، والتي تمثل بدورها أحد أهم أسباب تفشي الأمية وضعف رأس المال البشري في المجتمعات.
إن غياب منظومة حماية اجتماعية فعّالة وشاملة يفتح الباب أمام هذه الظاهرة، بينما يشكل إدماج حماية الطفل ضمن خريطة برامج الحماية الاجتماعية للدول خطوة استراتيجية وليست اختيارية. فالحماية الاجتماعية لا تعني فقط الدعم المادي للأسر، بل تمتد لتشمل بناء أنظمة إنذار مبكر، وتوفير بدائل تعليمية آمنة، وتمكين الأسر اقتصاديًا بما يمنع دفع الأطفال إلى العمل تحت ضغط الحاجة.
ومن منظور أوسع، فإن الاستثمار في حماية الطفل هو استثمار مباشر في الأمن القومي، لأن المجتمع الذي يفقد أطفاله داخل سوق العمل غير المنظم، يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج جيل متعلم، واعٍ، وقادر على المشاركة في التنمية. وبالتالي فإن مكافحة عمالة الأطفال ليست فقط حماية للطفل، بل هي حماية للمجتمع والدولة من مخاطر الفقر الممتد، والأمية المتوارثة، وضعف الإنتاجية على المدى الطويل.
إن المواجهة الحقيقية لهذه القضية تتطلب رؤية تكاملية تجمع بين التعليم، والحماية الاجتماعية، والتشريعات الرادعة، والتمكين الاقتصادي للأسر، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بأن الطفل ليس قوة عمل، بل هو مشروع إنسان ومستقبل وطن.
وفي هذا السياق، تصبح مسؤولية المؤسسات الوطنية والدولية مشتركة في تحويل هذا الملف إلى أولوية على أجندة التنمية المستدامة، باعتباره أحد أهم ركائز تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة ما يتعلق بالقضاء على الفقر، وضمان التعليم الجيد، والعمل اللائق، والحد من أوجه عدم المساواة.
وفي النهاية، فإن حماية الأطفال من عمالة مبكرة ليست فقط التزامًا أخلاقيًا، بل هي قرار استراتيجي يحدد شكل المستقبل، ويؤسس لأمن اجتماعي وتنموي أكثر استقرارًا وعدالة.










