مقالات الرأى

د. علي المبروك أبوقرين يكتب: صحة إفريقيا وصندوق للتنمية الصحية الإفريقية

مقالات للرأي

لم تعد التحديات الصحية في إفريقيا قابلة للمعالجة عبر التدخلات الجزئية أو المبادرات قصيرة الأمد، إذ أثبتت التجارب أن الاعتماد على المساعدات الخارجية رغم أهميته لم ينجح في بناء نظام صحي مستدام قادر على الصمود أمام الأوبئة أو مواكبة التحولات الوبائية والاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى انتقال نوعي في التفكير من إدارة الأزمات إلى بناء القدرة، ومن الاستجابة إلى الاستباق ومن التمويل الخارجي المشروط إلى التمويل السيادي التشاركي. وفي قلب هذا التحول يبرز صندوق التنمية الصحية الإفريقية كفكرة استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل المشهد الصحي في القارة.
إن هذا الصندوق في جوهره ليس مجرد آلية تمويل إنما هو تعبير عن إرادة إفريقية جماعية لوضع الصحة في صدارة المشروع التنموي بوصفها ركيزة للاستقرار والنمو والكرامة الإنسانية. يقوم هذا التصور على شراكة متعددة الأطراف تجمع بين الدول الإفريقية باعتبارها المالك الحقيقي للمشروع، وبين مؤسسات دولية كالبنك الدولي والأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، ليس كممولين فقط إنما كشركاء في نقل المعرفة وبناء القدرات، في إطار يحفظ لإفريقيا قرارها الصحي وسيادتها التنموية.

تنبع أهمية هذا الصندوق من إدراك أن القارة تواجه عبئًا صحيًا مركبًا يتجاوز قدرات الأنظمة الصحية الوطنية المنفردة، حيث تتداخل الأمراض المعدية والأوبئة مع الأمراض المزمنة، وتتفاقم التحديات بفعل الأوضاع الاقصادية والنزاعات وتغير المناخ وضعف البنية التحتية. ومن ثم فإن وجود كيان مالي واستراتيجي موحد يتيح توجيه الموارد بكفاءة وتنسيق الجهود وتجنب الازدواجية يمثل خطوة حاسمة نحو تحقيق أثر حقيقي ومستدام. وتتجلى قيمة هذا الصندوق في قدرته على العمل عبر مسارات متكاملة، أولها دعم برامج مكافحة الأمراض المعدية والأوبئة ليس فقط من خلال العلاج إنما عبر بناء أنظمة إنذار مبكر وتعزيز قدرات الاستجابة السريعة وتوطين تقنيات التشخيص، بما يسهم في تطهير القارة من الأوبئة المتوطنة والعابرة. وثانيها الاستثمار في التنمية البشرية الصحية من خلال دعم التعليم الطبي وتأهيل الكوادر، وتحسين بيئة العمل بما يحد من هجرة العقول ويعزز الاكتفاء الذاتي في الموارد البشرية. كما يتيح الصندوق فرصة استراتيجية لإعادة الاعتبار للطب الوقائي، عبر تمويل برامج التوعية الصحية ومحو الأمية الصحية وتعزيز أنماط الحياة الصحية، وهو ما يشكل حجر الأساس لأي نظام صحي فعال. فكل دولار يُستثمر في الوقاية يوفر أضعافه في العلاج، وكل مجتمع واعي صحيًا هو خط الدفاع الأول ضد المرض. ومن بين الأبعاد المهمة أيضًا دعم البحث العلمي الصحي في إفريقيا، ليس فقط بوصفه نشاطًا أكاديميًا إنما كأداة لحل المشكلات الواقعية، وتطوير علاجات تتناسب مع الخصوصية البيئية والجينية للقارة. وفي هذا السياق يبرز دمج الطب التقليدي مع الطب الحديث كفرصة علمية وثقافية واقتصادية، شريطة أن يتم ذلك ضمن إطار بحثي صارم يضمن السلامة والفعالية، ويحول المعرفة التقليدية من ممارسة غير منظمة إلى مورد صحي معترف به ومطور.

ولا يقل أهمية عن ذلك دور الصندوق في تطوير البنية التحتية الصحية خاصة في المناطق النائية والريفية التي تعاني من غياب شبه كامل للخدمات. فمن خلال الاستثمار في المراكز الصحية الأولية، واستخدام التكنولوجيا مثل الطب عن بعد يمكن تقليص الفجوة بين المدن والريف، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الصحية. كما يمكن للصندوق أن يلعب دورًا محوريًا في دعم التحول الرقمي الصحي من خلال تمويل أنظمة المعلومات الصحية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات والتنبؤ بالأوبئة، وتعزيز استخدام منصات التواصل الاجتماعي في التوعية الصحية، بما يجعل النظام الصحي أكثر ذكاءً واستجابة. إن من أبرز ميزات هذا الصندوق قدرته على تحقيق التكامل بين الجهود حيث يجمع بين التمويل والمعرفة والتنفيذ في إطار واحد منظم ما يقلل من الهدر، ويزيد من كفاءة الإنفاق ويعزز الشفافية والمساءلة. كما يمنح الدول الإفريقية منصة للتفاوض الجماعي مع الشركاء الدوليين، بما يعزز من قدرتها على توجيه الموارد وفق أولوياتها الحقيقية. أما الرؤية التي يقوم عليها هذا المشروع فهي رؤية تتجاوز مجرد تحسين المؤشرات الصحية لتصل إلى بناء نظام صحي إفريقي قوي وعادل ومستدام وقادر على حماية الإنسان الإفريقي من المرض وتمكينه من الحياة الكريمة والإنتاجية. إنها رؤية ترى في الصحة استثمارًا وليس عبئًا، وفي الإنسان ثروة وفي الوقاية مستقبلًا وفي نهاية المطاف فإن صندوق التنمية الصحية الإفريقية ليس مشروعًا ماليًا فقط إنما هو مشروع حضاري، يعيد لإفريقيا ثقتها بذاتها، ويمنحها القدرة على صياغة مستقبلها الصحي بيدها. وإذا ما كُتب لهذا المشروع أن يرى النور بإرادة سياسية حقيقية، وإدارة كفؤة ورؤية واضحة فإنه يمكن أن يكون نقطة التحول الكبرى التي تنقل القارة من دائرة التحدي إلى أفق الريادة.

زر الذهاب إلى الأعلى