مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: وحتى يعود ماسبيرو أيقونةً للإعلام العربي ! “إصلاح الإنسان أولًا.. رؤية جديدة لتحويل الإعلام الرسمي إلى قوة وطنية مؤثرة”

مقالات للرأي

يبدأ أي تطوير حقيقي دائمًا بالإنسان لأن الكادر البشري المؤهل هو العقل الذي يخطط، واليد التي تنفذ، والروح التي تبتكر.
وإذا كان ذلك ينطبق على مختلف مجالات الحياة، فإنه يصبح أكثر أهمية في مجال الإعلام الذي يعتمد في جوهره على الإبداع والابتكار وصناعة التأثير.
في أبريل عام 2011، عندما توليت رئاسة قطاع الأخبار بماسبيرو، كان همي الأول ليس تحديث الاستوديوهات أو تطوير النشرات الإخبارية، بل كان إزالة حالة الاحتقان التي كانت تسود بين العاملين في ظل ظروف استثنائية شهدتها مصر آنذاك.
الجميع كان متأثرًا بأحداث المرحلة وبالمد الثوري الذي اجتاح الشارع المصري، وكان من الواضح أن الإعلامي الذي يعاني من مشكلات مادية أو معنوية لن يستطيع أن يقدم أفضل ما لديه، سواء كان أمام الكاميرا والميكروفون أو خلفهما.
لذلك كان المدخل الطبيعي لأي تطوير هو الاستماع إلى العاملين، ومحاولة حل مشكلاتهم، وإعادة بناء الثقة بينهم وبين مؤسستهم، قبل التفكير في تطوير الخدمات الإخبارية أو استعادة جمهور افتقده الإعلام الرسمي خلال سنوات طويلة.
واليوم، وبعد مرور سنوات على تلك التجربة، أرى أن الحديث عن عودة ماسبيرو إلى مكانته التاريخية لا يزال مطروحًا بقوة، خاصة أن هذا الصرح العريق لم يكن مجرد مؤسسة إعلامية مصرية، بل كان مدرسة إعلامية عربية تخرج فيها أجيال من الإعلاميين الذين صنعوا وجدان ملايين المشاهدين والمستمعين في مصر والعالم العربي.
لكن عودة ماسبيرو إلى سابق عهده تتطلب أولًا تشخيصًا دقيقًا للمشكلة.
هل ماسبيرو منشأة اقتصادية أم مؤسسة خدمة عامة؟
في تقديري أن هذا السؤال هو مفتاح فهم معظم الأزمات التي عانى منها ماسبيرو خلال العقود الماضية، وعلى رأسها أزمة الديون المتراكمة التي ورثتها الهيئة الوطنية للإعلام عن اتحاد الإذاعة والتليفزيون السابق.
وعلى مدار سنوات طويلة تجاوز عدد العاملين في المبنى ثلاثين ألف موظف، كان أغلبهم من العاملين في المجالات الإدارية والخدمية.
ومع عدم تطبيق سياسات الإحلال ووقف التعيينات، انخفض العدد تدريجيًا ما يقارب الثلث.
وكان من المنطقي أن يؤدي ذلك إلى خفض النفقات، إلا أن الواقع جاء مختلفًا والسبب في ذلك أن ماسبيرو يضم ثلاثة أنواع رئيسية من القطاعات:
قطاعات برامجية مثل الأخبار والتليفزيون والإذاعة والقنوات المتخصصة والإقليميات وقطاعات فنية وإدارية مساندة مثل الهندسة الإذاعية، والقطاع الاقتصادي وقطاعات خدمية متنوعة مثل الأمن والأمانة
وباستثناء بعض الأنشطة ذات العائد المالي المباشر، مثل الإنتاج والخدمات الهندسية والاستثمارات التابعة للقطاع الاقتصادي، فإن معظم القطاعات الأخرى تستهلك موارد مالية ضخمة لتغطية أجور العاملين ومصروفات التشغيل والصيانة وتطوير المحتوى ومن هنا تظهر المشكلة الأساسية !
عدم تغطية الإيرادات الذاتية الالتزامات، ويرجع ذلك إلى ان ماسبيرو في الأصل لم يُنشأ كمشروع استثماري يهدف إلى تحقيق الأرباح، بل مؤسسة وطنية تقدم خدمة عامة وتؤدي دورًا تنويريًا وثقافيًا وإخباريًا للدولة والمجتمع.
إن الإصرار على التعامل مع ماسبيرو باعتباره منشأة اقتصادية مطالبة بالإنفاق على نفسها بالكامل يمثل أحد أسباب الأزمة المزمنة التي يعانيها. ومن المفترض أن الحكومة في مختلف أنحاء العالم تمول مؤسسات الإعلام العام لأنها تؤدي وظائف استراتيجية تتجاوز الحسابات التجارية البحتة لكن مع تراكم الديون، وتهالك أجزاء من المبنى وتجهيزاته، وتأثير ذلك على جودة المحتوى المقدم للجمهور، وهو ما انعكس بدوره على نسب المشاهدة والإيرادات زادت الأعباء !
لهذا نقدم رؤية للمستقبل :
إذا كنا نبحث عن حل جذري وليس مجرد مسكنات مؤقتة، فإن الأمر يتطلب التفكير خارج الأطر التقليدية وهنا يبرز تساؤل مهم:
لماذا لا يتم تطوير الهيئة الوطنية للإعلام إلى كيان اقتصادي وإداري مرن تحت مسمى “الشركة الوطنية للإعلام”؟
لا يتعلق الأمر بمجرد تغيير اسم، بل يتعلق بتبني فلسفة جديدة في الإدارة والاستثمار، تسمح بتحويل الأصول الضخمة التي يمتلكها ماسبيرو إلى موارد إنتاجية واستثمارية مستدامة، مع الحفاظ الكامل على رسالته كإعلام خدمة عامة مملوك للدولة.
لقد أثبتت نماذج إعلامية وطنية حديثة،
وفي مقدمتها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، أن الإدارة الاقتصادية الرشيدة والاستثمار المنظم يمكن أن يوفرا موارد ضخمة لتطوير المحتوى والبنية التحتية والكوادر البشرية.
ومن ثم فإن تحويل ماسبيرو إلى شركة إعلامية وطنية مملوكة للدولة، تعمل وفق قواعد اقتصادية حديثة وتستثمر أصولها وإمكاناتها البشرية والفنية، قد يفتح الباب أمام معالجة ملف الديون المتراكمة ، وتوفير الموارد اللازمة لتطوير المحتوى، وضمان حقوق العاملين، وتأمين مكافآت نهاية الخدمة للأجيال التي أفنت عمرها داخل هذا الصرح العريق.
إن عودة ماسبيرو ليست حلمًا مستحيلًا، لكنها تحتاج إلى رؤية واضحة وإرادة قوية وشجاعة في اتخاذ القرار.
ماسبيرو الذي صنع تاريخ الإعلام العربي لعقود طويلة ما زال قادرًا على استعادة دوره ومكانته، إذا أحسنا قراءة الواقع، وأحسنا التخطيط للمستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى