مقالات الرأى

د.علي المبروك أبوقرين يكتب: مستقبل الديموغرافيا في العالم العربي وأفريقيا

مقالات للرأي

التحول الديموغرافي لم يعد مجرد أرقام تتغير في جداول السكان، ولا مجرد ارتفاع في متوسط العمر المتوقع أو تراجع في معدلات المواليد والخصوبة، إنما أصبح أحد أكبر التحولات التي ستعيد تشكيل مستقبل المجتمعات الإنسانية، وتختبر قدرة الدول على إعادة التفكير في اقتصاداتها ونظمها الصحية والتعليمية والاجتماعية، وفي طبيعة العقد الذي ينظم العلاقة بين الأجيال. لقد أعاد حوار مستقبل الديموغرافيا الذي استضافته العاصمة الإيفوارية أبيدجان في السادس من نوفمبر 2026، طرح قضية تستحق أن تتجاوز حدود المؤتمرات والتوصيات، وأن تتحول إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد في أفريقيا والعالم العربي. فالتقديرات التي تشير إلى احتمال ارتفاع عدد كبار السن في أفريقيا إلى نحو 144 مليون شخص بحلول عام 2050 مقارنة بنحو 55 مليوناً حالياً وفق الأرقام المطروحة، تكشف عن تحول كبير في البنية العمرية للقارة. وفي الوقت نفسه ستظل أفريقيا القارة الأكثر شباباً، وهو ما يضعها أمام معادلة تاريخية مزدوجة فكيف تستثمر في طاقتها الشبابية الهائلة، وتستعد في الوقت ذاته لمجتمعات تتزايد فيها أعداد كبار السن؟ هذه ليست معادلة أفريقية وإنما قضية عربية أيضاً، وإن اختلفت سرعة التحول ومراحله بين دولة وأخرى. فبعض المجتمعات العربية ما زالت تتمتع بقاعدة سكانية شابة بينما بدأت مجتمعات أخرى تشهد تراجعاً في الخصوبة وارتفاعاً في متوسط الأعمار واتساعاً تدريجياً لشريحة كبار السن. ومن الخطأ الاستراتيجي أن تنتظر الدول وصول هذه التحولات إلى مستويات حرجة حتى تبدأ التفكير في مواجهتها، فالديموغرافيا لا تتغير بقرار حكومي، ولا تمنح المؤسسات فرصة لإعادة بناء نفسها بين ليلة وضحاها. إن زيادة العمر المتوقع للإنسان تمثل انتصاراً عظيماً للعلم والطب وتحسن ظروف الحياة، لكنها لا تتحول تلقائياً إلى انتصار اجتماعي أو اقتصادي. فالسنوات الإضافية قد تكون سنوات صحة وإنتاج ومشاركة واستقلالية، وقد تتحول، في غياب الاستعداد، إلى سنوات من المرض والإعاقة والعزلة والاعتماد على الآخرين. وهنا يكمن الفرق بين مجتمع ينجح في إطالة عمر الإنسان، ومجتمع ينجح في تحسين جودة حياته طوال هذا العمر. إن أحد أكبر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها السياسات العامة هو اختزال الشيخوخة في المعاشات التقاعدية وتكاليف العلاج، أو التعامل مع كبار السن باعتبارهم عبئاً على الاقتصاد والخدمات العامة. فكبار السن ليسوا مشكلة ديموغرافية ينبغي احتواؤها وإنما هم جزء أصيل من المجتمع، وأصحاب حقوق وخبرات وذاكرة ومعرفة، وقد أسهموا في بناء أسرهم ومؤسساتهم وأوطانهم. ومن حقهم أن يعيشوا سنواتهم المتقدمة بكرامة واستقلال وأمان، وأن تتاح لهم فرص المشاركة والعطاء وفق قدراتهم ورغباتهم. لكن احترام هذه الحقوق لا يتحقق إلا ببناء منظومة متكاملة للشيخوخة الصحية والنشطة، تبدأ قبل بلوغ الإنسان الستين أو الخامسة والستين بسنوات طويلة. فصحة الإنسان في شيخوخته هي إلى حد كبير نتيجة تراكمات صحية وغذائية ونفسية واجتماعية وتعليمية واقتصادية امتدت عبر حياته كلها. ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي في كبار السن يبدأ من رعاية الطفولة، والتعليم الجيد والتغذية السليمة والبيئة الصحية والعمل اللائق والوقاية من الأمراض، ومكافحة التدخين والخمول والسمنة، والكشف المبكر، والسيطرة على الأمراض المزمنة. وهذا يفرض تحولاً أساسيا في فلسفة النظم الصحية العربية والأفريقية، إذ لم يعد كافياً أن نقيس نجاحها بعدد المستشفيات والأسرة والأطباء أو حجم الإنفاق على العلاج، وإنما ينبغي أن نقيس قدرتها على إبقاء الإنسان صحيحاً ومستقلاً ومنتجاً لأطول فترة ممكنة. نحتاج إلى رعاية صحية متصلة عبر دورة الحياة، وإلى رعاية أولية قوية، وخدمات منزلية ومجتمعية، وبرامج للتأهيل والعلاج الطبيعي، والصحة النفسية، ورعاية الخرف والزهايمر وإدارة الأمراض غير السارية والرعاية التلطيفية وخدمات الرعاية طويلة الأمد. كما نحتاج إلى إعداد كوادر متخصصة في طب المسنين والتمريض المجتمعي والرعاية المنزلية، وتطوير البنية العمرانية ووسائل النقل والمساكن لتكون ملائمة للأعمار المختلفة ولقدرات الإنسان المتغيرة. ولا تقل أهمية عن ذلك إعادة النظر في النظم الاقتصادية والاجتماعية. فالتقاعد والعمل والادخار والمعاشات والحماية الاجتماعية والتأمينات والرعاية الأسرية جميعها مؤسسات صممت في ظروف ديموغرافية مختلفة، ولم تعد بالضرورة ملائمة للمستقبل. كما أن الاعتماد الكامل على الأسرة في رعاية كبار السن، دون خدمات مساندة أو حماية لمقدمي الرعاية، يضع أعباء متزايدة على النساء والأبناء، وقد يؤثر في فرص العمل والتعليم والاستقرار الأسري. ومن هنا تبرز ضرورة بناء منظومة تضامن اجتماعي تتقاسم فيها الدولة والمجتمع والأسرة والمؤسسات مسؤوليات الرعاية، دون التفريط في حق الإنسان أو تحويل احتياجاته إلى سوق للاستغلال التجاري. أما أفريقيا فإن امتلاكها قاعدة سكانية شابة يمثل فرصة تنموية استثنائية، لكنه ليس ضمانة تلقائية للازدهار. فالفرصة الديموغرافية لا تتحقق إلا بالتعليم الجيد، والتشغيل المنتج، والمهارات العلمية والتكنولوجية، والصحة، والعدالة في توزيع الفرص. وإذا لم تستثمر الدول في شبابها اليوم فإنها قد تواجه مستقبلاً مجتمعاً لم يستفد من طاقته الشابة، ويجد نفسه أمام أعباء الشيخوخة دون قاعدة اقتصادية ومؤسسية قوية. ولهذا ينبغي ألا تتنافس سياسات الشباب وسياسات كبار السن، وإنما تتكامل في رؤية واحدة للمجتمع عبر جميع مراحله العمرية. وفي العالم العربي تزداد أهمية هذه القضية بسبب التفاوت الكبير بين الدول في الثروة والموارد والسكان والقدرات المؤسسية، وبسبب النزاعات والهجرة واتساع الاقتصاد غير الرسمي وضعف بعض أنظمة الحماية الاجتماعية. وتحتاج المنطقة إلى سياسات ديموغرافية وطنية تستند إلى بيانات سكانية موثوقة وتوقعات طويلة المدى، وتربط بين الصحة والتعليم والإسكان والعمل والتقاعد والبيئة والتنمية الاقتصادية، بدلاً من معالجة كل قطاع بمعزل عن الآخر. إننا بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد بين الأجيال لا يقوم على تحميل جيل أعباء جيل آخر وإنما على توزيع عادل للمسؤوليات والموارد والفرص، وعلى الاعتراف بأن الإنسان لا يفقد قيمته أو حقوقه عندما يتقدم في العمر، وأن الاستثمار في صحة الطفل والشاب والعامل وكبير السن هو استثمار في استقرار المجتمع ومستقبله. إن مستقبل أفريقيا والعالم العربي لن تحدده فقط أعداد السكان، ولا نسبة الشباب أو كبار السن، وإنما تحدده قدرة الدول على تحويل هذه التركيبة السكانية إلى قوة إنسانية ومعرفية واقتصادية، وعلى بناء مؤسسات تتكيف مع الإنسان في مختلف مراحل حياته. لقد أصبح من الضروري أن ننتقل من التفكير في إدارة السكان إلى التفكير في صناعة جودة الحياة، ومن التعامل مع الشيخوخة باعتبارها مرحلة انتظار وتراجع إلى اعتبارها مرحلة إنسانية لها حقوقها وإمكاناتها واحتياجاتها، ومن التخطيط القصير المرتبط بالدورات الحكومية إلى التخطيط الممتد عبر أجيال. فالدولة التي لا تستعد اليوم لشيخوخة سكانها، ولا تستثمر في شبابها، ولا تحمي أطفالها، إنما تؤجل أزمة مستقبلية على حساب أجيال قادمة. إن أعظم إنجاز ديموغرافي ليس أن نضيف سنوات إلى حياة الإنسان فقط وإنما أن نضيف حياة وصحة وكرامة إلى سنواته، وأن نبني مجتمعاً لا يتخلى عن أفراده في أي مرحلة من مراحل أعمارهم.

زر الذهاب إلى الأعلى