مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: قراءة في تحديات المستقبل … ( الذكاء الاصطناعي ) ماله وما عليه !

مقالات للرأي

 

أصبح الذكاء الاصطناعي قوة مؤثرة في تشكيل مستقبل العالم وأداة قادرة على إحداث تحولات عميقة في مختلف مجالات الحياة بمساعدة العقل البشري على بلورة الأفكار، وتحليل المعلومات، وإنجاز مهام معقدة في زمن قياسي، تعجز عنه الوسائل التقليدية !
تبدو ملامح المستقبل في القدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي والاستفادة من إمكاناته. ولكن هل يمثل هذا التطور خيرًا للبشرية، أم أنه يحمل في داخله بذور خطر
قد يهدد مكتسبات الإنسان الحضارية؟
ليس الذكاء الاصطناعي خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا إنما أداة تتحدد نتائجها وفقًا للأهداف المراد تحقيقها، والضوابط الأخلاقية والقانونية التي تحكم استخدامها!
و يمكن أن يسهم في تحسين حياة البشر، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للإضرار بهم إذا غابت مسؤولية الإنسان في توجيهه !
يقدم الذكاء الاصطناعي فرصًا واسعة أمام الباحثين، إذ يستطيع تنظيم البيانات، ومقارنة المعلومات، واقتراح مسارات للبحث، والمساعدة في اكتشاف الأنماط فضلًا عن مراجعة الصياغات اللغوية وتلخيص الدراسات وتوفير الوقت والجهد. !
ولكن تطرح هذه الإمكانات تحديًا جوهريًا يتعلق بالحد الفاصل بين الاستعانة بالتكنولوجيا والاعتماد الكامل عليها!
فقد أخبرني أحد الأساتذة الجامعيين أنه اكتشف، أثناء مناقشة رسالة ماجستير، أن جزءًا من العمل أُعده الباحث باستخدام الذكاء الاصطناعي على نحو أثار تساؤلات حول مدى أصالة البحث وجهد صاحبه!
ومثل هذا الأمر يفتح الباب أمام قضية تستحق اهتمام المؤسسات الأكاديمية: هل يقدم الباحث عملًا يعبر عن فهمه وتحليله، أم يكتفي بتجميع نصوص أنتجتها أداة رقمية ثم ينسبها إلى نفسه؟
إن الخطورة لا تتوقف عند احتمالات الاقتباس غير المعلن أو تقديم معلومات غير دقيقة، بل تمتد إلى احتمال تراجع مهارات التفكير النقدي، والتحليل، والاستدلال، وصياغة الفرضيات واختبارها.
البحث العلمي عملية عقلية متكاملة تبدأ بالسؤال، وتمر بجمع الأدلة وفحصها ومناقشتها، وتنتهي بنتائج قابلة للتحقق والمراجعة.
وإذا تحول الذكاء الاصطناعي من وسيلة مساعدة إلى بديل عن هذه العملية، فإننا نخاطر بإنتاج معرفة تبدو مقنعة في ظاهرها، لكنها تفتقر إلى الأصالة والعمق والدقة لذلك ينبغي أن تتبنى الجامعات قواعد واضحة للإفصاح عن استخدام هذه الأدوات، والتحقق من المعلومات، وتقييم قدرة الطالب على تفسير ما يقدمه والدفاع عن نتائجه !
لا تقتصر مخاطر الذكاء الاصطناعي على البحث العلمي والتعليم، بل تمتد إلى مجالات أكثر خطورة، وفي مقدمتها الحروب والصراعات المسلحة.
لقد أصبحت الطائرات المسيّرة جزءًا بارزًا من مشهد الحروب المعاصرة، وشهدنا صراعات في غزة ولبنان وإيران واليمن والحرب الروسية الأوكرانية وغيرها استخدم فيها هذا النوع من الأسلحة.التي يعمل كثير منها بالذكاء الاصطناعي!
وتختلف قدرات هذه الطائرات وطرق تشغيلها من حالة إلى أخرى، لكن بعضها يعتمد على أنظمة متقدمة لمعالجة الصور والبيانات، والملاحة، وتحديد الأهداف، فإلى أي مدى يجوز أن نمنح الآلة دورًا في قرارات قد تنتهي بإزهاق أرواح البشر؟
يتيح الذكاء الاصطناعي لشخص واحد التحكم في عشرات أو مئات المسيّرات في وقت واحد وتنسيق حركة سرب كامل يعمل ككتلة واحدة في الهجوم أو الاستطلاع.
و تستطيع الطائرات المسيّرة بفضل خوارزميات الرؤية الحاسوبية والتعلم العميق التعرف على الأهداف وتحديدها والاشتباك معها أو تدميرها بشكل ذاتي دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر في لحظة الضربة !
ويفرض التطور المتسارع لهذه الأنظمة ضرورة تعزيز الرقابة البشرية الفعلية، وضمان الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، ولا سيما قواعد التمييز بين المقاتلين و المدنيين ، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحمايتهم .
ولا يمنح التقدم التكنولوجي أحدًا الحق في التنصل من المسؤولية عن قرارات الحرب، ولا يجوز أن تصبح الخوارزمية ستارًا تختبئ خلفه الجهات التي تصمم السلاح أو تشغله أو تتخذ قرار استخدامه!
مجال آخر تتجلى فيه خطورة الاستخدام غير المسؤول للذكاء الاصطناعي، وهو إنتاج الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية المزيفة، التي قد تبدو حقيقية إلى حد يصعب معه على الجمهور العادي اكتشاف التلاعب بها.
ويمكن توظيف هذه التقنيات في تشويه السمعة، ونشر الشائعات، وتزييف الوقائع، والتأثير في الرأي العام، وإثارة الانقسامات داخل المجتمعات.
ويزداد الخطر عندما تنتشر المواد المضللة قبل أن تتاح الفرصة للتحقق من صحتها.
وهنا تتضاعف مسؤولية المؤسسات الإعلامية !
و المطلوب إذن وضع الذكاء الاصطناعي في مكانه الصحيح مساعدًا للفكر البشري، لا بديلًا عنه، ووسيلة لتوسيع قدراته، لا ذريعة لتعطيلها !
ومن واقع التعامل مع هذه الأدوات إعلاميا و صحفيا ، يمكن الاستفادة منها في اقتراح العناوين، وترتيب محاور المقالات، وتحسين الصياغة اللغوية، وتوليد أفكار إضافية، وتلخيص المعلومات، والمساعدة في الوصول إلى مصادر تستحق الفحص.
لكن تحديد الفكرة الأساسية، واختيار زاوية المعالجة، وتقييم الحجج، والتحقق من الوقائع، و صياغة المحتوى النهائي تظل مسؤولية المحرر والكاتب والباحث.!
ولهذا تصبح المراجعة البشرية والتحقق المستقل من المصادر شرطين أساسيين لاستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي خصوصًا في المجالات التي تترتب على معلوماتها آثار مهمة!
ومن المرجح أن يتسع حضور الذكاء الاصطناعي في المرحلة المقبلة ليشمل قطاعات الحياة المختلفة و ينبغي أن يرتبط بتحسين حياة الإنسان، وتوسيع فرص التعلم والعلاج والإنتاج، وتقليل المعاناة، ودعم التنمية،
ويستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعدنا على التفكير بصورة أفضل، لكنه لا يعفينا من التفكير؛ ويمكنه أن يختصر الطريق إلى المعرفة، لكنه لا يمنحنا الحق في الاستغناء عن البحث والتحقق !
و تتوقف قيمة هذه التكنولوجيا على حكمة الإنسان في تحديد ما ينبغي لها أن تنجزه، وليس ما تقرره !

زر الذهاب إلى الأعلى