مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: إدمان “الموبايل ” و خدعة التواصل الافتراضي !

مقالات للرأي

ليس كل إدمان مرجعه تعاطي المخدرات، وليس كل ما يهدد حياة الإنسان يمكن أن يجرم و يوضع تحت طائلة القانون !
في يد كل منا جهاز ذكي صغير قد يكون وسيلة للعمل والتعلم والمعرفة والتواصل الاجتماعي الفعلي لكنه يمكن أن يتحول لدى البعض إلى مصدر لسلوك قهري يصعب السيطرة عليه !
إنه الهاتف المحمول أو الموبايل الذي يعد بوابة العالم الرقمي حيث نصحبه في كل مكان، حتى أصبح كثيرون ينامون في ضوئه ويستيقظون وهم امام شاشته وهنا تبرز مشكلة علاقتنا به !
قد يبدأ الأمر بصورة عادية مثل تفقد الهاتف بمجرد الاستيقاظ، وتصفحه أثناء الطعام، و فتح مواقع التواصل بلا هدف، وقطع الحديث مع الآخرين للرد على رسالة، أو العودة إلى الشاشة كل بضع دقائق لمجرد الاطمئنان عند وصول إشعار جديد !
ومع الوقت قد يتحول هذا الاستخدام إلى ( إدمان ) ! ويحاول الشخص تقليل الوقت الذي يقضيه أمام الشاشة، لكنه لا يستطيع، ويشعر بالضيق عندما يبتعد عن هاتفه، ويجد نفسه يمنح الشاشة وقتاً كان من المفترض أن يخصصه للنوم أو العمل أو الدراسة أو الأسرة.
وهنا يجب التمييز بين الاستخدام الطبيعي والاستخدام المرضي !
إن مجرد قضاء ساعات طويلة مع الهاتف لا يعني بالضرورة وجود اضطراب لكن المعيار الأهم هو فقدان السيطرة على الوقت والنتائج السلبية التي يتركها هذا السلوك على حياة الإنسان !
وقد اعترفت منظمة الصحة العالمية بما يسمى اضطراب ألعاب الفيديو عندما يصبح الاستخدام خارج نطاق السيطرة على اللعب، وتقديمه على الأنشطة الأخرى، والاستمرار فيه رغم عواقبه السلبية !
أما الاستخدام المستمر للهواتف تحت زعم التواصل الاجتماعي هو في الواقع تباعد اجتماعي لانه افتراضي وليس حقيقيا !
إن حجم انتشار الهواتف النقالة يجعل القضية جديرة بالدراسة فقد بلغ عدد مستخدميها في العالم نحو 5.61 مليار شخص في بداية عام 2024، أي ما يقارب 69% من سكان كوكب الارض !
لكن انتشار الهاتف لا يعني تفشي إدمانه قد يكون لشخص وسيلة للإنجاز وقد يكون في الوقت نفسه مصدراً للتشتت وإهدار الوقت بالنسبة إلى شخص آخر !
الأخطر أن الهاتف أصبح حاضراً في لحظات يفترض أن تكون انت بعيدا عن الشاشات !
عندما تجلس مع أسرتك إلى مائدة الطعام برفقة هاتفك يتحول الحوار معهم إلى مجرد فواصل بين إشعار وآخر حيث تنحني الرؤوس جميعاً نحو الشاشات !
و قد يجلس أفراد الأسرة معا ، لكن كل واحد منهم يعيش في عالم رقمي مختلف عن الاخر !
ولا يعني ذلك أن الهاتف هو المسؤول وحده عن تراجع العلاقات الأسرية أو الاجتماعية، فهناك ضغوط الحياة والعمل والخلافات والمشكلات النفسية والاجتماعية، لكن الاستخدام المفرط قد يزيد التشتت ويقلل الوقت المتاح للتفاعل المباشر والنشاط البدني أما استخدام الهاتف أثناء قيادة السيارة ، قضية خطره لانه في لحظات قليلة من الانشغال بالهاتف قد تكون كافية لتحويل رحلة على الطريق إلى مأساة !
ولا تقتصر المشكلة على العلاقات والسلامة بمعنى أن الاستخدام الطويل للشاشات قد يرتبط بإجهاد العين وجفافها وآلام في الرقبة والظهر واليدين، كما أن استخدام الهاتف قبل النوم قد يؤخر النوم أو يقلل ساعاته لدى بعض الأشخاص !
أما التأثير النفسي ، يبدو أكثر تعقيداً بعد أن اثبتت الدراسات ارتباطا بين الاستخدام المكثف أو المرضي لبعض منصات التواصل والألعاب و القلق أو الاكتئاب أو اضطرابات النوم لدى بعض الفئات العمرية !
وقد يكون القلق أو قلة النوم سبباً أيضا في زيادة استخدام الهاتف، و يلجأ الإنسان إلى العالم الرقمي للهروب من ضيق موجود أصلاً مثل لجوء المدمن إلى الخمر أو المخدر !
إذن المطلوب هو أن نعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا وهنا ادعو المختصين الى عقد مؤتمر علمي لبحث هذه القضية !
وننصح بغلق الإشعارات التي لا ضرورة لها، وأن نضع الهاتف بعيداً أثناء تناول الطعام وخلال الاجتماعات، وأن نمنحه إجازة قبل النوم، وأن نرفض استخدامه أثناء القيادة، وأن نعلم أبناءنا أن التكنولوجيا وسيلة للحياة وليست بديلاً عنها !
وعندما يفشل الشخص مراراً في تقليل استخدامه، أو يصبح الهاتف سبباً في اضطراب نومه أو عمله أو دراسته أو علاقاته، أو يشعر بضيق شديد عند محاولة الابتعاد عنه، فقد يكون من المفيد اللجوء إلى مختص في الطب النفسي !
إن الخطر الحقيقي ليس امتلاك هاتفاً ذكياً، وإنما أن يتحول الإنسان نفسه إلى مستخدم منقاد وهذا هو الإدمان !
صنعت التكنولوجيا أدوات مذهلة لتسهيل حياتنا، لكن دون أن نشعر حولناها إلى أداة إلى لقتل الوقت و متعة الحياة !

زر الذهاب إلى الأعلى