مقالات الرأى

د. علي المبروك أبو قرين يكتب: سوسيولوجيا الصحة

مقالات للرأي

علم الاجتماع الصحي ليس مجرد تخصص أكاديمي يُضاف إلى العلوم الطبية، انما هو تحول جذري في طريقة فهم الإنسان لذاته ولمرضه ولمجتمعه. إنه انتقال من النظر إلى المرض كخلل بيولوجي معزول إلى إدراكه كنتاج مركب لشبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية. فالصحة في جوهرها واساسها ليست حالة جسدية فقط إنما هي تعبير مكثف عن عدالة المجتمع أو اختلاله. وفي هذا الإطار يكشف علم الاجتماع الصحي حقيقة جوهرية طالما تم تجاهله وهي أن الأمراض لا تتوزع عشوائياً إنما تتبع خطوط القوة والضعف داخل المجتمع. حيثما يوجد فقر توجد أمراض أكثر. وحيثما يوجد تهميش توجد وفيات أعلى. ليس لأن الفقراء أكثر عرضة بيولوجياً إنما لأنهم يعيشون في بيئات تُنتج المرض بشكل مستمر بيئات تفتقر إلى الغذاء الجيد والسكن الآمن والتعليم الكافي، والرعاية الصحية المتاحة. وهنا يظهر مفهوم المحددات الاجتماعية للصحة كأحد أعمدة هذا العلم. فالدخل والتعليم والعمل والنوع الاجتماعي والموقع الجغرافي ليست مجرد خلفيات محايدة إنما هي عوامل حاسمة تحدد من يعيش بصحة ومن يعيش على هامشها. إن الطفل الذي يولد في قرية نائية في أفريقيا، أو في حي مهمش في مدينة عربية، لا يواجه فقط احتمال المرض إنما يواجه مساراً صحياً كاملاً مليئاً بالعوائق البنيوية التي تبدأ قبل ولادته ولا تنتهي عند مرضه. وفي أفريقيا والعالم العربي تتجلى هذه الحقائق بوضوح أشد نتيجة تداخل عوامل متعددة ومنها تاريخ من الاستعمار، وضعف في بناء الدولة الحديثة، وتفاوت في توزيع الثروة، وهشاشة في البنية التحتية، ونظم تعليمية وصحية تعاني من التراجع أو الازدواجية. في هذه السياقات لا يكون المرض مجرد تحد صحي إنما يصبح انعكاساً لأزمة تنموية شاملة. لكن علم الاجتماع الصحي لا يقف عند حدود الكشف إنه يتجاوزها إلى تفكيك العلاقة بين الإنسان والنظام الصحي ذاته. فهو يدرس كيف تتشكل تجربة المرض داخل المؤسسات الصحية، وكيف يؤثر التفاوت الاجتماعي على جودة الرعاية، وعلى العلاقة بين الطبيب والمريض. ففي كثير من البيئات الهشة لا يدخل المريض إلى المستشفى فقط بجسده إنما يدخل أيضاً بمخاوفه وبفجوات معرفية وبشعور بعدم الأمان مما يؤثر بشكل مباشر على مسار علاجه. ومن زاوية أعمق يطرح هذا العلم نقداً جوهرياً للأنظمة الصحية التي تتحول تدريجياً من أنظمة رعاية إلى أنظمة فرز اجتماعي. حين تُترك الصحة لقوانين السوق وحدها، يصبح الوصول إلى العلاج مرهوناً بالقدرة المالية، وتفقد الرعاية بعدها الإنساني. وهنا تتشكل أنظمة مزدوجة، نظام متقدم للأغنياء، ونظام هش للفقراء، مما يعمّق التفاوت ويعيد إنتاجه عبر الأجيال. في العالم العربي حيث تتعايش أنظمة عامة ضعيفة مع قطاع خاص متضخم، وفي أفريقيا حيث تعاني العديد من الدول من نقص الموارد والكوادر، يصبح هذا التحول أكثر خطورة. إذ لا يؤدي فقط إلى تدهور الصحة إنما يهدد الاستقرار الاجتماعي ويقوض فرص التنمية ويعمّق الشعور باللاعدالة. إن أحد أهم إسهامات علم الاجتماع الصحي هو توسيع مفهوم المرض ذاته. لم يعد المرض مجرد حالة طبية إنما أصبح يُفهم كظاهرة اجتماعية تتأثر بالثقافة وباللغة وبالسلطة. كما يطرح نقداً لما يُعرف بالطبنة (Medicalization)، حيث يتوسع الطب في تعريف مشكلات الحياة اليومية كأمراض مما يفتح المجال أمام تدخلات قد تكون ضرورية أحياناً، لكنها قد تتحول أيضاً إلى أدوات للضبط الاجتماعي. في مواجهة هذه التحديات يقدم علم الاجتماع الصحي رؤية إصلاحية شاملة. فهو يؤكد أن بناء نظام صحي عادل لا يمكن أن يتم من خلال الحلول التقنية وحدها إنما يتطلب معالجة الجذور الاجتماعية للمرض وهذا يعني:
– الاستثمار في التعليم باعتباره محدداً أساسياً للصحة.
– تحسين ظروف المعيشة من سكن وغذاء ومياه نظيفة.
– تقليل الفجوات الاقتصادية من خلال سياسات عادلة.
– بناء نظم صحية شاملة تضمن الوصول للجميع دون تمييز.
– تنظيم القطاع الخاص بحيث يكون مكملاً وليس بديلاً.
– التركيز على الوقاية والرعاية الأولية كخط دفاع أول.
لكن الأهم من كل ذلك هو إعادة الاعتبار للفكرة الأخلاقية للصحة. فالصحة ليست مجرد قطاع إنما هي مرآة لضمير المجتمع. والمجتمع الذي يعجز عن حماية أضعف أفراده يعجز في الحقيقة عن حماية نفسه. إن علم الاجتماع الصحي لا يقدم إجابات جاهزة إنما يقدّم طريقة تفكير مختلفة. إنه يدعونا إلى طرح أسئلة أكثر عمقاً ومنها لماذا يمرض الناس؟ ومن يستفيد من بقاء الوضع كما هو؟ وكيف يمكن إعادة توزيع الفرص الصحية بشكل عادل؟ وفي عالم يشهد أوبئة متكررة وتغيرات مناخية ونزاعات مسلحة وهجرات جماعية تصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً. فالصحة لم تعد قضية محلية إنها أصبحت قضية كونية، تتطلب تضامناً عالمياً ورؤية إنسانية مشتركة. ويمكن القول إن علم الاجتماع الصحي هو علم إعادة التوازن بين الجسد والمجتمع وبين الفرد والدولة وبين السوق والعدالة. وهو في أساسه دعوة لإعادة بناء عالم تكون فيه الصحة حقاً للجميع وليس امتيازاً للبعض. وفي هذا العالم المنشود لا يُقاس التقدم بعدد المستشفيات فقط إنما بعدد الأرواح التي تم إنصافها، وعدد الفجوات التي تم ردمها، وعدد المرات التي انتصرت فيها الإنسانية على اللامساواة.

زر الذهاب إلى الأعلى