لواء دكتور أحمد زغلول يكتب : من حافة الهاوية إلى أفق التسوية الكبرى كيف يمكن لاتفاق إيراني – أمريكي – إسرائيلي أن يعيد تشكيل الشرق الأوسط والنظام الإقليمي الجديد؟
مقالات للرأي

عندما تصل الحروب إلى نقطة اللاعودة
نقدم دراسه تحليليه استراتيجيه عن آخر تطورات خطوات التهدئه بين ايران والولايات المتحدة الأمريكية •• على امتداد العقود الأربعة الماضية ظل الصراع بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة وإسرائيل أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيداً وتأثيراً في الأمن الإقليمي والدولي فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 تشكلت حالة من التنافس والصدام السياسي والأمني والعسكري غير المباشر تحولت تدريجياً إلى شبكة واسعة من الأزمات الممتدة من الخليج العربي إلى شرق البحر المتوسط ومع اندلاع المواجهات الأخيرة التي أخذت طابعاً مباشراً وغير مسبوق اصبح العالم وكأنه يقف على أعتاب حرب إقليمية شاملة قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية لكن التاريخ يؤكد أن الحروب الكبرى لا تنتهي عادة بانتصار عسكري مطلق بل تنتهي عندما تدرك الأطراف أن تكلفة استمرار القتال أصبحت أعلى من تكلفة التسوية ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن تسوية استراتيجية محتملة قد تضع حداً لإحدى أخطر الأزمات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين .
أولاً : قراءة استراتيجية في الحربين
الحرب الأولى : اثنا عشر يوماً هزت الشرق الأوسط
مثلت المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل وما تبعها من تدخل أمريكي سياسي وعسكري نقطة تحول تاريخية في طبيعة الصراع فبعد سنوات طويلة من “حرب الظل” انتقل الطرفان إلى مرحلة الضربات المباشرة واستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة بعيدة المدى وقد كشفت هذه المواجهة عدة حقائق على النحو التالي :
١- قدرة إيران على توسيع نطاق الردع الإقليمي .
٢- امتلاك إسرائيل منظومات دفاعية متطورة لكنها ليست منيعة بالكامل .
٣- محدودية الحل العسكري في إنهاء الصراع جذرياً .
٤- خطورة انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة متعددة الجبهات .
الحرب الثانية : مائة يوم من الاستنزاف الإقليمي
لم تقتصر المواجهة على الضربات المباشرة بل امتدت عبر جبهات متعددة شملت ( جنوب لبنان والبحر الأحمر والخليج العربي والعراق وسوريا ) وخلال هذه المرحلة ظهرت معادلة جديدة مفادها أن استمرار النزاع يهدد الأمن الاقتصادي العالمي بصورة مباشرة .
ثانياً : لماذا أصبح السلام ضرورة للجميع؟
١- الولايات المتحدة
تدرك واشنطن أن استمرار الصراع يهدد ( استقرار أسواق الطاقة والملاحة الدولية والاقتصاد العالمي ومصالحها العسكرية المنتشرة بالمنطقة ) كما أن الإدارة الأمريكية أصبحت أكثر ميلاً لتقليل التدخل العسكري المباشر والتركيز على إدارة التوازنات السياسية .
٢- إسرائيل
رغم امتلاكها تفوقاً عسكرياً كبيراً فإن إسرائيل تدرك أن الحروب الممتدة تستنزف ( الاقتصاد والاستثمارات والسياحة وثقة المجتمع الدولي ) كما أن تعدد الجبهات العسكرية يمثل تحدياً استراتيجياً بالغ الخطورة .
٣- إيران
تواجه إيران ضغوطاً متعددة ( العقوبات الاقتصادية والحاجة إلى استثمارات أجنبية والتحديات المعيشية الداخلية والرغبة في استعادة أموالها المجمدة ) ومن ثم فإن التهدئة تمثل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والتنموية .
ثالثاً : الدور الباكستاني المحتمل في صناعة التسوية
تمتلك باكستان مجموعة من المزايا تجعلها وسيطاً مقبولاً نسبياً ( علاقات تاريخية مع إيران وشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة ومكانة مؤثرة في العالم الإسلامي وامتلاك خبرة في إدارة الملفات الأمنية الحساسة ) وقد تسعى إسلام آباد إلى لعب دور الضامن السياسي لبعض التفاهمات الأولية بما يفتح الباب أمام مفاوضات أوسع برعاية دولية .
رابعاً : بنود مذكرة التفاهم المحتملة
١- وقف شامل ودائم لإطلاق النار ويشمل الاتى :
* وقف العمليات العسكرية .
* وقف الضربات الجوية والصاروخية .
* وقف العمليات السيبرانية العدائية .
* الامتناع عن استهداف المنشآت الحيوية .
٢- أمن الملاحة الدولية
يمثل مضيق هرمز الشريان الحيوي للطاقة العالمية ويمر عبره ما يقرب من :
* أكثر من 20% من تجارة النفط العالمية .
* نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال .
* كميات ضخمة من المواد الخام الداخلة في صناعة الأسمدة والبتروكيماويات .
*لذلك يتوقع أن يتضمن الاتفاق ( ضمان حرية الملاحة وعدم فرض رسوم استثنائية ومنع إغلاق المضيق وتأمين خطوط التجارة البحرية ) .
خامساً : الملف النووى •• جوهر التسوية
يبقى الملف النووي الإيراني القضية الأكثر حساسية ومن المرجح أن تتضمن التسوية الاتى :
* التزاماً إيرانياً بعدم تطوير سلاح نووي .
* استمرار الرقابة الدولية .
* توسيع صلاحيات التفتيش الفني من المنظمه الدوليه .
* وضع آلية لمعالجة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب .
* إطلاق مفاوضات تفصيلية خلال ستين يوماً للوصول إلى اتفاق نهائي طويل الأمد .
سادساً : الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة
تمثل الأموال الإيرانية المجمدة أحد أهم ملفات التفاوض وقد تشمل التفاهمات التاليه :
* الإفراج التدريجي عن جزء من الأصول .
* السماح بالحصول على الأموال لأغراض تنموية واقتصادية .
* تخفيف بعض القيود المصرفية وتسهيل المعاملات التجارية الدولية .
ويمثل ذلك حافزاً اقتصادياً مهماً لإنجاح التسوية .
سابعاً : لبنان من ساحة مواجهة إلى ساحة استقرار
لن يكتمل أي اتفاق دون معالجة الجبهة اللبنانيه ومن المتوقع أن تشمل التفاهمات التاليه :
* وقف العمليات العسكرية .
* تثبيت التهدئة الحدودية .
* دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها .
* منع التصعيد المتبادل .
ثامناً : ماذا ستكسب المنطقة من السلام؟
١- المكاسب الاقتصادية
* استقرار أسعار النفط .
* عودة الاستثمارات الأجنبية .
* زيادة حركة التجارة .
* خفض تكاليف التأمين البحري .
* تنشيط النقل البحري والجوي .
٢- المكاسب الأمنية
* تراجع احتمالات الحرب الشاملة .
* تقليص مخاطر الإرهاب والفوضى .
* حماية الممرات الاستراتيجية .
* تعزيز الاستقرار الإقليمي .
٣-،المكاسب السياسية
* فتح قنوات حوار جديدة .
* إعادة بناء الثقة .
* تقليل الاستقطاب الإقليمي .
تاسعاً : التأثير على مصر
تمثل مصر أحد أكبر المستفيدين من استقرار المنطقة ومن أبرز المكاسب المتوقعة الاتى :
* قناة السويس
استعادة معدلات العبور الطبيعية للسفن .
* التجارة الدولية
زيادة حركة النقل البحري والتبادل التجاري .
* الطاقة
استقرار الأسواق العالمية وانعكاس ذلك على الاقتصاد المصري .
* الأمن القومي
انخفاض مخاطر التوتر الإقليمي الممتد إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط .
عاشراً : مواقف القوى الدولية
١- الصين
ترحب بأي تسوية تؤمن تدفق الطاقة وتحمي علاقاتها الاقتصاديه .
٢- روسيا
تفضل الاستقرار الذي يمنع توسع النفوذ العسكري الغربي ويضمن استمرار دورها الإقليمي .
٣- أوروبا
تسعى إلى خفض مخاطر الطاقة والهجرة غير الشرعية والتوترات الأمنية .
الحادي عشر : التحديات التي قد تواجه الاتفاق
رغم أهمية التسوية فإن نجاحها ليس مضموناً بالكامل ومن أبرز التحديات :
* انعدام الثقة التاريخي .
* الضغوط الداخلية على الأطراف المختلفة .
* احتمالات وقوع حوادث عسكرية مفاجئة .
* تعقيدات الملف النووي .
* تعدد الفاعلين الإقليميين .
الدروس الاستراتيجية المستفادة
١- القوة العسكرية وحدها لا تصنع السلام .
٢- الردع يمنع الهزيمة لكنه لا يحقق الاستقرار الدائم .
٣- الاقتصاد أصبح شريكاً أساسياً في صناعة الأمن .
٤- الممرات البحرية اصبحت جزءاً من الأمن القومي العالمي .
٥- الحوار الاستراتيجي أقل تكلفة من المواجهة العسكرية .
٦- الاستقرار الإقليمي شرط أساسي للتنمية المستدامة .
التوصيات الاستراتيجية
١- دعم كافة المسارات الدبلوماسية التي تؤدي إلى دعم الاستقرار الإقليمي .
٢- إنشاء آلية إقليمية دائمة لأمن الممرات البحرية .
٣- تشجيع التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة باعتباره أحد ضمانات السلام .
٤- إعطاء أولوية للحلول السياسية على حساب التصعيد العسكري .
٥- استثمار مرحلة التهدئة في إطلاق مشروعات تنموية إقليمية كبرى .
٦- تعزيز دور المؤسسات الدولية في مراقبة الالتزامات الأمنية والفنية .
شرق أوسط جديد أم هدنة مؤقتة؟
يبقى السؤال الأهم هل نحن أمام سلام تاريخي يعيد تشكيل المنطقة أم مجرد هدنة تفرضها موازين القوى الحالية؟
الإجابة ستعتمد على قدرة الأطراف على تحويل وقف إطلاق النار إلى منظومة مصالح متبادلة تجعل السلام أكثر ربحاً من الحرب .
فإذا نجحت هذه المعادلة فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها لغة الصواريخ لصالح لغة التنمية وتتقدم فيها المصالح المشتركة على حساب الصراعات المزمنة ليبدأ فصل مختلف من تاريخ المنطقة عنوانه الاستقرار والشراكة والنمو بعد عقود طويلة من التوتر والمواجهات .










