مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: ” إعلام ماسبيرو ” … و نقطة الإنطلاق نحو المستقبل !

مقالات للرأي

نتوقف اليوم أمام أحد أكثر الملفات تأثيراً في حاضر المؤسسة ومستقبلها، وهو ملف الديون المتراكمة.
لقد أصبحت ديون ماسبيرو على مدار سنوات طويلة عنواناً لأزمة ممتدة، ليس بسبب حجمها فقط، بل لأنها ألقت بظلالها على قدرة المؤسسة على التطوير والتحديث والاستثمار في المستقبل ومع ذلك فإن النظر إلى هذه الديون باعتبارها عقبة دائمة قد يكون خطأً استراتيجياً، لأن الأهم من حجم المشكلة هو كيفية التعامل معها.
وتُقدر الديون المتراكمة على الهيئة الوطنية للإعلام (ماسبيرو) حالياً بنحو 119 مليار جنيه مصري وتتضمن هذه المديونيات التزامات متأخرة لصالح جهات مختلفة مثل وزارة المالية، وشركات الكهرباء، وبنك الاستثمار القومي !
والواقع أن جزءاً كبيراً من هذه الديون لم ينشأ نتيجة سوء إدارة بالمعنى التقليدي، وإنما كان انعكاساً لطبيعة الدور الذي قامت به المؤسسة لعقود طويلة باعتبارها إعلام خدمة عامة يؤدي رسائل وطنية وثقافية وتعليمية لا تقاس دائماً بمعايير الربح والخسارة التجارية أو دعونا نقول هي ديون حكومية يمكن تسويتها بتعاون وتوجيهات من الحكومة
لقد تحمل إعلام ماسبيرو مسؤوليات وطنية كبرى في فترات مختلفة من تاريخ مصر، وكان حاضراً في كل المناسبات والأحداث القومية، وقدم خدمات إعلامية لم يكن الهدف منها تحقيق عائد اقتصادي مباشر بقدر ما كانت جزءاً من دوره تجاه المجتمع والدولة.
غير أن تغير البيئة الإعلامية وتزايد المنافسة وارتفاع تكاليف التشغيل فرضت واقعاً جديداً لم يعد يسمح باستمرار الأساليب التقليدية في الإدارة والتمويل. ومن هنا أصبح من الضروري الانتقال من مرحلة إدارة الديون إلى مرحلة إدارة الأصول والفرص وحل جذري لمشكلة الديون !
إن أول خطوة في هذا الاتجاه تتمثل في الفصل بين الديون التاريخية المتراكمة وبين الأداء التشغيلي الحالي للمؤسسة.
إن المؤسسات الكبرى حول العالم عندما تواجه أعباء مالية ضخمة تلجأ إلى إعادة الهيكلة المالية بما يسمح لها بالانطلاق من جديد دون أن تبقى رهينة لأعباء الماضي.
كما أن معالجة ملف الديون يجب أن تتم ضمن رؤية شاملة تربط بين سداد الالتزامات وتنمية الموارد.
ولا يكفي السداد وحده إذا استمرت الأسباب التي أدت إلى تراكم الديون، كما أن الاستثمار وحده لن ينجح إذا ظلت المؤسسة مثقلة بأعباء تعوق حركتها.
ومن هنا تبرز أهمية تعظيم الاستفادة من الأصول المتاحة. حيث تمتلك المؤسسة ثروة حقيقية من العقارات والاستوديوهات والأراضي والتجهيزات الفنية والأرشيف الإعلامي، وهي أصول يمكن أن تسهم في دعم عملية إعادة الهيكلة المالية إذا أحسن استثمارها وفق رؤية اقتصادية واضحة.
كذلك فإن التحول الرقمي يمكن أن يصبح جزءاً من الحل. والأرشيف الإعلامي المصري يمثل قيمة تاريخية وثقافية كبيرة، وإعادة توظيفه وتسويقه عبر المنصات الرقمية قد يفتح أبواباً جديدة للعائدات، بما يساهم في تخفيف الضغوط المالية على المؤسسة.

ولا يقل أهمية عن ذلك بناء منظومة حوكمة مالية حديثة تقوم على التخطيط والرقابة والشفافية وترشيد الإنفاق. والإدارة الاقتصادية الناجحة لا تقتصر على زيادة الإيرادات، بل تشمل أيضاً حسن إدارة المصروفات وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.

وفي تقديري أن الدولة المصرية تدرك أهمية الحفاظ على إعلام الخدمة العامة باعتباره أحد أدوات القوة الناعمة والأمن الثقافي الوطني وقد طالب البرلمان المصري ممثلا في لجنة الإعلام بتسوية ملف الديون وإعادة هيكلة قطاعات ماسبيرو إذن إن أي معالجة لملف الديون ينبغي أن تنظر إلى ماسبيرو باعتباره استثماراً وطنياً طويل الأجل، وليس مجرد مؤسسة تسعى لتحقيق أرباح مالية.
ويبقى العنصر الأهم هو العاملون أنفسهم. فنجاح أي خطة لإعادة الهيكلة يتطلب إشراك أبناء المؤسسة في عملية التطوير، وتعزيز الثقة في أن الهدف ليس تقليص الدور أو الانتقاص من الحقوق، وإنما بناء مؤسسة أكثر قدرة على الاستمرار والعطاء ولهذا أرى أن جدولة الديون على فترة زمنية طويلة مثلما عملت الحكومة مع أموال المعاشات أو صدور تشريع لاسقاط هذه الديون
إن ديون ماسبيرو ليست نهاية الطريق، بل يمكن أن تكون حلحلتها نقطة البداية لمرحلة جديدة إذا تم التعامل معها برؤية استراتيجية تجمع بين الواقعية والطموح.
إن فاعلية المؤسسات الناجحة لا تقاس بما واجهته من أزمات، وإنما بقدرتها على تجاوزها وتحويلها إلى فرص للنهوض.

زر الذهاب إلى الأعلى