
هناك أيام تمر في عمر الأوطان كأي يوم، وهناك أيام يعجز الزمن نفسه عن تجاوزها. أيام لا تُحفظ لأنها كانت تاريخًا في التقويم، بل لأنها أصبحت تاريخًا في الوجدان. ومن بين تلك الأيام، يبقى الثلاثون من يونيو واحدًا من اللحظات التي سيظل المصريون يعودون إليها كلما أرادوا أن يتذكروا كيف يمكن لإرادة شعب أن تعيد رسم ملامح وطن.
لم تكن 30 يونيو مجرد احتجاجات خرجت إلى الشوارع، ولم تكن مجرد مشهد سياسي انتهى بانتهاء أحداثه، بل كانت – في تقديري – لحظة استرداد للهوية، وتصحيحًا لمسار دولة كانت تقف على حافة المجهول. ففي ذلك اليوم، لم يكن السؤال: من يحكم؟ بل كان السؤال الأهم: كيف تبقى مصر؟
فالوطـن لا يسقط فجأة، وإنما يتآكل بصمت؛ حين تضعف مؤسساته، ويهتز أمنه، وتصبح الفوضى احتمالًا طبيعيًا، ويصبح المستقبل رهينة للخوف. وكانت الثلاثون من يونيو إعلانًا صريحًا بأن المصريين اختاروا الدولة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، على حساب الفوضى بكل ما تحمله من مخاطر.
ولأن الثورات الحقيقية لا تُقاس بما تهدمه، وإنما بما تبنيه، بدأت بعد تلك اللحظة رحلة مختلفة؛ رحلة عنوانها العمل، لا الشعارات، والإنجاز، لا الوعود.
يكفي أن تنظر إلى خريطة مصر اليوم، لتدرك أن الجغرافيا نفسها لم تعد كما كانت. طرق تمتد كالشرايين في جسد الوطن، وكباري ومحاور اختصرت المسافات كما اختصرت سنواتٍ طويلة من المعاناة، ومدن جديدة خرجت من قلب الصحراء لتعلن أن العمران أصبح لغة الدولة الجديدة، وأن المستقبل لا ينتظر من يتردد.
ولم يعد النقل مجرد وسيلة للانتقال، بل أصبح مشروعًا حضاريًا متكاملًا؛ مترو أنفاق يتوسع، وقطار كهربائي يشق طريقه، ومونوريل يقترب من تغيير مفهوم الحركة داخل المدن، في مشهد كان يبدو قبل سنوات أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع.
أما الصحة، فلم تعد تعني مستشفى يُفتتح أو جهازًا يُشترى، بل أصبحت فلسفة كاملة تقوم على أن الوقاية حق، والعلاج كرامة. من القضاء على فيروس “سي” بعد أن كان شبحًا يهدد ملايين المصريين، إلى المبادرات الصحية التي وصلت إلى القرى والنجوع، إلى مشروع التأمين الصحي الشامل… كلها رسائل تقول إن الإنسان أصبح في قلب معادلة التنمية، لا على هامشها.
وفي التعليم، ربما لا تزال الرحلة طويلة، لكن من الإنصاف أن نعترف بأنها بدأت بالفعل؛ مدارس جديدة، وجامعات أهلية وتكنولوجية، ومحاولة جادة للانتقال من ثقافة الحفظ إلى ثقافة المعرفة، ومن التعليم باعتباره شهادة إلى التعليم باعتباره استثمارًا في الإنسان.
ثم تأتي “حياة كريمة”… ليس كمشروع، وإنما كفكرة. فكرة تقول إن التنمية لا ينبغي أن تتوقف عند أسوار العاصمة، ولا أن تبقى حكرًا على المدن الكبرى، بل يجب أن تصل إلى آخر بيت في آخر قرية. لأول مرة يشعر ملايين المصريين في الريف أن الدولة تطرق أبوابهم لا لتعدهم، بل لتبني لهم، وتوصل إليهم الماء والغاز والصرف الصحي والخدمات الصحية والتعليمية، وكأن الوطن قرر أخيرًا أن ينظر إلى جميع أبنائه بالعين نفسها.
وربما كان الإنجاز الأكبر، الذي لا يُقاس بالأرقام، هو استعادة الإحساس بالأمان. فالأمن ليس مجرد غياب الجريمة، وإنما حضور الطمأنينة. أن يذهب الإنسان إلى عمله مطمئنًا، وأن تسير الأسرة في الشارع دون خوف، وأن يصبح الاستقرار قاعدة تُبنى عليها التنمية، لا حلمًا مؤجلًا. فلا اقتصاد يزدهر وسط الفوضى، ولا استثمار يأتي إلى أرض مضطربة، ولا مستقبل يولد في بيئة تفتقد الاستقرار.
صحيح أن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود، وأن التحديات الاقتصادية كانت ولا تزال ثقيلة، خاصة في ظل أزمات عالمية متلاحقة عصفت بالاقتصادات الكبرى قبل الصغيرة، لكن الفارق الحقيقي بين الدول ليس في غياب الأزمات، وإنما في قدرتها على الصمود، والاستمرار في البناء رغم العواصف.
بعد اثني عشر عامًا، لا أرى الثلاثين من يونيو مجرد ذكرى نحتفل بها، بل أراها نقطة فاصلة بين مصر كانت تخشى الغد، ومصر قررت أن تصنعه. بين دولة كانت تطارد الأزمات، ودولة تحاول أن تسبقها بالمشروعات والعمل.
ويبقى الوطن، في النهاية، أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، وأعمق من الخلافات. ويبقى البناء هو اللغة الوحيدة التي لا تكذب، لأن الحجر لا يعرف المجاملة، والطريق لا يجامل أحدًا، والجسر لا يُقام بالخطب، وإنما بالعرق والإرادة.
وربما لهذا السبب، ستظل الثلاثون من يونيو، بالنسبة لي، ليست ذكرى ثورة فحسب… بل ذكرى وطن اختار أن يقف، بعدما كان العالم كله ينتظر سقوطه.
* الكاتبة نائبة الرئيس / ممثلة مصر وشمال أفريقيا في لجنة الشباب الاستشارية التابعة للكوميسا









