مقالات الرأى

أ.د. راندا رزق تكتب: الأسرة أولًا… لماذا تُعد مراكز المشورة والدعم النفسي استثمارًا في مستقبل مصر؟

مقالات للرأي

 

في كل مرحلة من مراحل بناء الدول، يظل الإنسان هو نقطة البداية، والأسرة هي المؤسسة الأولى التي تُصاغ فيها شخصيته، وتتشكل فيها منظومة القيم، ويُبنى فيها الوعي والانتماء. ومن هنا، فإن توجيهات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تطوير السياسات الداعمة للأسرة، واستحداث مراكز للمشورة والدعم النفسي والاجتماعي للأطفال، لا تمثل مجرد إضافة إلى منظومة الحماية الاجتماعية، بل تعكس رؤية استراتيجية عميقة تعتبر أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق دون أسرة مستقرة وطفل يتمتع بصحة نفسية واجتماعية سليمة.

لقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تغيرات متسارعة فرضتها الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، ومنصات التواصل الاجتماعي، والأزمات الاقتصادية العالمية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على طبيعة العلاقات داخل الأسرة، وعلى الصحة النفسية للأطفال والمراهقين. وأصبحت تحديات مثل القلق، والاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، والتنمر الإلكتروني، واضطرابات الهوية والانتماء، من أبرز القضايا التي تواجه الأجيال الجديدة.

ولم تعد هذه المشكلات حكرًا على المجتمعات الغربية، بل أصبحت واقعًا تعيشه مختلف المجتمعات العربية، الأمر الذي يجعل من تطوير منظومة الدعم النفسي والأسري ضرورة وطنية، وليس رفاهية اجتماعية.

إن استحداث مراكز للمشورة والدعم النفسي والاجتماعي يمثل انتقالًا مهمًا من ثقافة علاج المشكلات بعد وقوعها إلى ثقافة الوقاية والتدخل المبكر. فهذه المراكز تستطيع أن تقدم خدمات الإرشاد الأسري، والدعم النفسي للأطفال، والتوعية الوالدية، واكتشاف المشكلات السلوكية في مراحلها الأولى، بما يسهم في الحد من آثارها المستقبلية على الفرد والمجتمع.

وتؤكد الدراسات الدولية أن السنوات الأولى من عمر الطفل هي المرحلة الأكثر تأثيرًا في تشكيل شخصيته وقدرته على التعلم والإبداع والتفاعل الاجتماعي. فالطفل الذي ينشأ في بيئة مستقرة، ويحظى بالدعم النفسي، يصبح أكثر قدرة على النجاح الأكاديمي، وأكثر استعدادًا للمشاركة الإيجابية في المجتمع، بينما يؤدي إهمال الجوانب النفسية إلى ارتفاع معدلات التسرب الدراسي، والعنف، والانحراف السلوكي، وضعف الإنتاجية مستقبلًا.

ومن هنا، فإن الاستثمار في الصحة النفسية للأطفال ليس إنفاقًا اجتماعيًا، بل استثمار اقتصادي وتنموي طويل الأجل. فكل مجتمع ينجح في حماية أطفاله نفسيًا، ينجح في بناء قوة بشرية أكثر إنتاجًا، وأكثر قدرة على الابتكار، وأقل تكلفة على أنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية مستقبلاً.

وفي هذا السياق، لا يمكن أن تعمل مراكز المشورة بمعزل عن بقية المؤسسات. فالأسرة، والمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الدينية، ومنظمات المجتمع المدني، جميعها شركاء في بناء الإنسان. كما أن الجامعات المصرية تمتلك خبرات علمية وبحثية كبيرة يمكن أن تسهم في إعداد الكوادر المتخصصة، وتصميم البرامج الوقائية، وقياس أثر هذه السياسات على المجتمع.

كما أن التحول الرقمي يفرض علينا توسيع مفهوم الدعم النفسي ليشمل الإرشاد الإلكتروني، والتوعية بالاستخدام الآمن للمنصات الرقمية، وحماية الأطفال من مخاطر الابتزاز والتنمر الإلكتروني، وتعزيز الثقافة الرقمية لدى الأسرة المصرية، حتى تتمكن من مواكبة عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

ومن المهم أيضًا أن تتكامل هذه المبادرة مع المبادرات الوطنية التي أطلقتها الدولة في مجالات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، لأن بناء الإنسان عملية متكاملة، تبدأ من الرعاية الصحية، وتمر بالتعليم الجيد، وتصل إلى بناء الشخصية المتوازنة القادرة على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية.

إن الجمهورية الجديدة لا تُقاس فقط بما تحقق من طرق ومدن ذكية ومشروعات قومية، وإنما أيضًا بما تحققه من استثمار في الإنسان المصري، باعتباره الثروة الحقيقية للدولة. فالتنمية العمرانية يمكن أن تُشيَّد في سنوات، أما بناء الإنسان فيحتاج إلى رؤية بعيدة المدى، وإرادة سياسية، وتكامل مؤسسي، وهو ما تعكسه هذه التوجيهات الرئاسية بوضوح.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب إطلاق استراتيجية وطنية للصحة النفسية والأسرة، تتضمن نشر خدمات المشورة في جميع المحافظات، وتأهيل الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، ودمج برامج التوعية الأسرية داخل المدارس والجامعات، إلى جانب الاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تقديم خدمات الدعم والإرشاد، مع الحفاظ الكامل على الخصوصية والاعتبارات الأخلاقية.

إن الأسرة القوية هي أساس المجتمع القوي، والطفل السوي هو المواطن القادر على قيادة المستقبل. وكل استثمار في حماية الأسرة هو استثمار في أمن الوطن، واستقراره، وتنميته. ولهذا، فإن توجيهات القيادة السياسية تمثل خطوة استراتيجية نحو ترسيخ نموذج تنموي يضع الإنسان في قلب عملية التنمية، ويؤكد أن بناء الجمهورية الجديدة يبدأ من بناء الأسرة المصرية.

زر الذهاب إلى الأعلى