مقالات الرأى

بسمة فؤاد تكتب: ماذا لو عاش المتنبي في عصر السوشيال ميديا؟

مقالات للرأي

في صباحٍ عادي، بينما كان الناس يتنقلون بين الصور والرسائل ومقاطع الفيديو القصيرة، ظهر حساب جديد يحمل اسمًا مألوفًا على نحوٍ غريب. صورة لرجل بعمامة سوداء، ونظرة حادة كأنها خرجت لتوها من صفحة صفراء في كتاب قديم. لم يكن أحد يتوقع أن صاحب الحساب هو المتنبي نفسه، الشاعر الذي قضى ألف عام وهو يتجول بين القصائد، قبل أن يقرر أخيرًا أن يجرب التجول بين المنشورات.

خلال ساعات قليلة، تجاوز عدد متابعيه مئات الآلاف. لميكن قد نشر سوى عبارة واحدة:

“وما الخيل إلا كالصديق قليلة…”

ثم توقف.

وكما يحدث دائمًا على الإنترنت، لم يقرأ كثيرون ما وراء الكلمات. اقتطع بعضهم العبارة ووضعها فوق صور سيارات فارهة، بينما كتب آخرون تحتها تعليقات مننوع: “كلام من ذهب”. أما المتنبي، الذي أمضى عمره يطارد المعنى قبل اللفظ، فكان يراقب المشهد في حيرة لاتخلو من التسلية.

في اليوم التالي نصحه أحد المختصين بالتسويق الرقمي بأن النجاح يحتاج إلى تفاعل يومي.

قال له بحماس:

“يا أبا الطيب، الجمهور يريد محتوى مستمرًا. صورة صباحية، رأي في الترند، فيديو قصير، وربما بث مباشر.”

سكت الشاعر قليلًا ثم سأله:

“وهل صار الناس يطلبون الكلام كما يطلبون الخبز؟”

ضحك الشاب وقال:

“بل أسرع من الخبز.”

ومنذ ذلك اليوم بدأ المتنبي رحلته في العالم الجديد.

جرّب أن ينشر بيتًا من الشعر، فحصل على بضعة آلافمن الإعجابات. ثم نشر صورة عابرة لفنجان قهوة أمامه، فحصد أرقامًا لم تحققها القصيدة. نشر تأملًا طويلًا عن الكرامة والطموح، فمر عليه الناس مرورًا سريعًا. لكنعندما كتب جملة غامضة من ثلاث كلمات فقط، انطلقت التحليلات والتفسيرات كأنها بيان سياسي في زمن حرب.

وللمرة الأولى، ربما أدرك أن العالم لم يتغير كثيرًا كما نظن. الناس ما زالوا يحبون الغموض أكثر مما يحبون الحقيقة الواضحة.

شيئًا فشيئًا، اكتشف أن المعركة لم تعد بين الشعراء كماكانت في بلاط الأمراء، بل بين الجميع. كل شخص يملكمنبرًا في جيبه. وكل هاتف صغير أصبح مملكة كاملة لها جمهورها وأنصارها وخصومها.

وفي إحدى الليالي، دخل في جدال إلكتروني مع أحد المؤثرين الذين يتابعهم الملايين. كان الرجل يقدم نصائح يومية عن النجاح والثقة بالنفس. وفي أحد المقاطع قال:

“كن أنت البطل دائمًا.”

ابتسم المتنبي عندما قرأ العبارة.

لا لأنه يرفضها، بل لأنه قضى حياته كلها تقريبًا محاولًا أن يكون ذلك البطل.

الفرق فقط أن الرجل القديم كان يقطع الصحارى ويخاطر بحياته ويطرق أبواب السلاطين ليصنع مجده، بينما يكفي اليوم أن يمتلك المرء كاميرا جيدة وإضاءة مناسبة ومهارة مع الخوارزميات.

ولأن المتنبي كان ذكيًا بما يكفي، لم يسخر من الأمر. لقدفهم سريعًا أن لكل عصر وسائله الخاصة في صناعةالشهرة.

ومع ذلك، بقي شيء يثير دهشته.

في زمانه كان الشاعر يحلم أن يحفظ الناس بيتًا واحدًا من شعره بعد موته. أما اليوم فيبدو أن كثيرين يحلمون فقط بأن يبقى منشورهم على الصفحة الرئيسية لساعات إضافية.

هناك فرق هائل بين أن تنتشر وأن تبقى.

وأظن أن المتنبي لو رأى عدادات المشاهدات اليوم لابتسمتلك الابتسامة الساخرة التي نعرفها من شعره. ليس لأن الأرقام صغيرة أو كبيرة، بل لأنه كان يعرف أن الضجيج شيء، والبقاء شيء آخر تمامًا.

فالانتشار يشبه شرارة تضيء السماء للحظة.

أما البقاء فيشبه نجمة بعيدة لا يلتفت إليها أحد كل ليلة، لكنها تظل هناك.

في إحدى الأمسيات، جلس يتأمل الشاشة المضيئة أمامه. آلاف الوجوه تتحدث في وقت واحد. آلاف الآراء. آلاف الأحكام. آلاف القصص التي تبدأ ولا تكتمل.

وفجأة خطر له سؤال بسيط:

هل صار البشر يتكلمون أكثر لأن لديهم ما يقولونه، أملأن الصمت أصبح أصعب من أي وقت مضى؟

كان السؤال عابرًا، لكنه ظل يطارده.

ففي هذا العالم الرقمي المزدحم، بدت الكلمة أرخص منأي وقت مضى، وأثمن من أي وقت مضى في آن واحد. الجميع يكتب، لكن القليل فقط يترك أثرًا.

وقبل أن يغلق هاتفه ذات ليلة، كتب منشورًا أخيرًا:

“عجبت لقومٍ يملكون الدنيا في أكفهم، ثم يخشون أن ينساهم الناس بعد يوم.”

حقق المنشور ملايين المشاهدات. تناقله الناس. حللوه. اختلفوا حوله. استخدمه بعضهم في مقاطع تحفيزية، ووضعه آخرون تحت صور الغروب.

أما صاحبه فلم يكن يتابع شيئًا من ذلك.

كان ينظر من نافذة تطل على مدينة لا تنام، ويتساءل في هدوء:

إذا كانت البشرية قد نجحت أخيرًا في أن تجعل لكل إنسان منبرًا وصوتًا وجمهورًا، فلماذا يبدو الخوف من النسيان أكبر من أي وقت مضى؟

ربما لأن الإنسان لم يكن يبحث يومًا عن المتابعين بقدر ماكان يبحث عن المعنى.

وربما لأن الكلمة الصادقة، منذ أن نطق بها شاعر فيلسوف قديم وحتى هذه اللحظة التي تمرر فيها إصبع كفوق شاشة هاتفك، لا تزال تطمح إلى الشيء نفسه:

أن تُفهم… لا أن تُشاهد فقط.

 

زر الذهاب إلى الأعلى