عبد الفتاح الجبالي يكتب: أيلولة الأرباح والخزانة العام
كتب : عبدالفتـــــــــــاح الجبــــــــالــى

يناقش فى هذه الآونة داخل مجلس النواب مشروع قانون بشأن أيلولة نسبة من الأرباح الصافية للشركات المملوكة للدولة للخزانة العامة، والذى بمقتضاه يتم تجنيب 5% من الأرباح الصافية، بعد تغطية الخسائر المرحلة، وقبل تجنيب أى احتياطات، كإيرادات ضريبية تؤول للخزانة العامة. وهى خطوة متقدمة مهمة فى سبيل استئداء حق الدولة فى هذه الأرباح. خاصة فى ظل الأوضاع المالية الحالية. إذ أصبحت قضية توليد الإيرادات العامة وإيجاد حيز مالى موضوعا أساسيا لدى معظم البلدان، وأصبح من الضرورى البحث عن حيز مالى معقول يسمح بتنفيذ السياسات المرغوبة لتحقيق التنمية الإحتوائية ويسهم فى تحقيق الإستقرار الإقتصادى، وذلك عن طريق التصميم الجيد للسياسة المالية على جانبى الإيرادات والمصروفات.
وتعتبر الإيرادات العامة من أهم العوامل المؤثرة على القدرات الإقتصادية للدولة، وذلك لما لها من تأثير واسع النطاق على أداء جميع القطاعات الفاعلة فى المجتمع. فبالإضافة إلى تأثيرها على مسار الإستثمار القومى بشقيه المحلى والأجنبي، فإنها تمثل عاملا أساسيا فى تحديد قدرة الدولة على إدارة النشاط الإقتصادى وتحقيق الأهداف التنموية للبلاد. حيث توفر موارد مالية للدولة تستطيع استخدامها فى القيام بأدوارها المنوطة بها عبر الإنفاق العام. ونجاح السياسة الإقتصادية والمالية منها فى تحقيق أهدافها التنموية يتوقف على عاملين أساسيين هما الموارد المتاحة للمجتمع والكيفية التى يتم بها استخدام هذه الموارد.
ورغم أن الملكية العامة فى مصر كبيرة ومتشعبة، حيث تتراوح بين الهيئات الإقتصادية وشركات قطاع الأعمال العام فضلا عن شركات القطاع العام والشركات القابضة النوعية التابعة للوزارات والشركات الخاضعة لأحكام القانون 159 لسنة 1981 وهى عديدة ومتنوعة وبنوك القطاع العام والتنمية والإئتمان الزراعى، فضلا عن الشركات الخاضعة لبعض الهيئات الإقتصادية ناهيك عن الشركات المشتركة وهى التى يسهم فيها المال العام من مختلف المؤسسات سواء كانت بنوكا عامة أو شركات قابضة ونوعية. بالإضافة إلى الأراضى والعقارات والمبانى، بالإضافة إلى حقوق الملكية الفكرية على الآلاف من المصنفات الفنية والكتب وغيرها وكلها أصول يمكن أن تولد قيما وتدفقات نقدية تساعد فى تمويل عجز الموازنة العامة للدولة وزيادة الحيز المالى ولكنها تعانى عدة مشكلات، أولاها وعلى رأسها تدنى العائد على هذه الممتلكات حيث من المقدر أن تحول إلى الخزانة العامة نحو 13.7 مليار جنيه فى مشروع موازنة عام 2026/2027 منها نحو 7.9 مليار من الجهاز المصرفي، بينما بلغ صافى ربح البنوك المملوكة للدولة نحو 251 مليار جنيه وفقا لتقرير البنك المركزي،ويرجع السبب فى ذلك إلى قيام البنوك العامة، على مدار السنوات الماضية، بتوجيه كامل حصة الخزانة العامة فى الأرباح لتكوين احتياطى تدعيمى لديها دون وجه حق 5.2 مليار من شركات قطاع الأعمال العام،وذلك بسبب لجوء بعض هذه الشركات إلى ترحيل الفائض دون توزيع الأرباح مما يترتب عليه إحتجاز جزء لا بأس به من هذه الأموال فى صورة إحتياطى قانوني. وثانيا عدم تحصيل المستحقات على هذه الأصول وتراكم المتأخرات، وثالثا عدم الإستغلال الأمثل للموارد المتاحة،
وهنا تشير الإحصاءات إلى أن نسبة الموارد الذاتية فى الموازنة العامة(الإيرادات العامة والمتحصلات من الحيازة) فى تغطية إجمالى الإستخدامات قد هبطت من 60.3%عام 2011/2012 إلى 50.9% فى موازنة 2026/2027 ولهذا زادت نسبة العجز الذى تلجأ الحكومة إلى الاقتراض بأذون وسندات لتغطيته من 39.7% إلى 49.1% خلال الفترة نفسها.
وعلى الرغم من التحسينات التى دخلت على السياسة المالية إلا إنها لم تؤد إلى زيادات الإيرادات العامة للدولة بل على العكس نلحظ أن الإيرادات العامة للناتج المحلى قد انخفضت من 18.1% عام 2011/2012 إلى نحو16.5% عام 2026/2027. مع ملاحظة أن هناك تراجعا هيكليا فى مساهمة عناصر الإيرادات الأخرى (والتى تأتى أساسا من أرباح الشركات والبنوك العامة والهيئات الإقتصادية وغيرها), وبالتالى انخفضت نسبتها من إجمالى الإيرادات من 28.4% عام 2011/2012 إلى 12.5% عام 2026/2027 وفى المقابل ارتفعت مساهمة الضرائب من 68.3% إلى 87.1% خلال نفس الفترة.
وهذا الوضع ينطبق على الهيئات الإقتصادية، فعلى الرغم من أن العلاقة بين موازنات هذه الجهات والموازنة العامة للدولة تقتصر على الفائض الذى يؤول للدولة وما يتقرر لهذه الموازنات من قروض ومساهمات، إلا أن ما يحدث على أرض الواقع مختلف تماما. وأصبح صافى العلاقة بالسالب يصل إلى 161.5 مليار جنيه فى مشروع موازنة 2026/2027 وهبط الفائض الذى يؤول للخزانة من 91.7 مليار جنيه عام 2025/2026 إلى 51.1 مليار عام 2026/2027. إذ تحدد التشريعات المنظمة للهيئات الإقتصادية طريقة توزيع صافى الربح، إذ يقضى بعضها بأن يؤول صافى الربح بالكامل إلى الخزانة العامة وبعضها ينص على ترحيله بالكامل إلى السنة المالية القادمة وهيئات تقوم بتدعيم احتياطاتها بكل أو جزء من صافى الربح والبعض الآخر يتم بالإتفاق مع وزير المالية على طريقة التصرف ونسبة ما تتم أيلولته للخزانة.
ويرجع السبب فى تدنى العائد إلى قيام بعض هذه الهيئات بترحيل الفائض دون توزيع، أو خفض حصة الدولة فى الأرباح الموزعة أو المغالاة فى تكوين الإحتياطيات وهو ما يؤدى إلى حرمان الخزانة العامة من هذه الأموال.
وبالتالى كان ينبغى أن يضاف الى مشروع القانون مادة إضافية تقضى بأن يؤول فائض الهيئات الاقتصادية، باستثناء الهيئات ذات الطبيعة الخاصة مثل التأمينات والبريد وقناة السويس، الى الخزانة العامة. وذلك بما يمكن الموازنة العامة من تحقيق حيز مالى يساعد فى تمويل الإنفاق الإجتماعى على التنمية البشرية خاصة الصحة والتعليم.










