مقالات الرأى

الأكاديمي والكاتب د.عيسى فلاح العازمي يكتب: الثقافة الدخيلة وأثرها على الهوية العربية

مقالات للرأي

لكل أمة هويتها التي تميزها عن غيرها، وهي نتاج تاريخ طويل من القيم والعادات والتقاليد والمبادئ التي تشكل وجدان المجتمع وتمنحه شخصيته الخاصة. والأمة العربية ليست استثناءً من ذلك، فقد امتلكت عبر تاريخها منظومة أخلاقية وثقافية متجذرة قامت على الدين واللغة والعروبة والترابط الأسري والتكافل الاجتماعي والشهامة والكرم والمحافظة على الثوابت.

إلا أن العالم اليوم يشهد انفتاحاً غير مسبوق بفعل وسائل التواصل والإعلام الحديث، الأمر الذي أدى إلى انتقال كثير من الثقافات والعادات بين الشعوب. والانفتاح بحد ذاته ليس مشكلة، بل قد يكون وسيلة لاكتساب العلوم والخبرات والتجارب النافعة، لكن الخطر يكمن عندما تتحول بعض الثقافات الدخيلة إلى أدوات لطمس الهوية وإضعاف الانتماء وتشويه القيم الأصيلة.

إن بعض المظاهر الوافدة لا تتوقف عند حدود اللباس أو المظهر الخارجي، بل تمتد إلى الأفكار والسلوكيات وأنماط الحياة التي تدفع بعض الشباب إلى التنكر لموروثهم الثقافي والاجتماعي، بل والنظر إليه نظرة استهزاء أو تخلف. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن الأمة التي تفقد ثقتها بهويتها تصبح أكثر عرضة للتبعية الفكرية والثقافية.

ولذلك فإن مسؤولية مواجهة هذه الظواهر لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة التي تعد الحصن الأول في غرس القيم وتعزيز الاعتزاز بالدين واللغة والتاريخ، ثم المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية، وصولاً إلى المجتمع بأكمله. فالتوعية والحوار والتربية الصحيحة أكثر تأثيراً من الصدام والمنع المجرد.

كما أن المطلوب ليس الانغلاق عن العالم أو رفض كل ما يأتي من الخارج، فالحكمة ضالة المؤمن، وإنما المطلوب هو التمييز بين ما ينفع وما يضر، وبين ما ينسجم مع قيمنا وما يتعارض معها. فالأمم القوية هي التي تستفيد من تجارب الآخرين دون أن تفقد شخصيتها أو تتخلى عن ثوابتها.

إن الحفاظ على الهوية العربية ليس مجرد شعارات تُرفع، بل هو مشروع مستمر يتطلب وعياً جماعياً وإيماناً راسخاً بأن قوة الأمة تبدأ من قوة ثقافتها وثقتها بنفسها. فكلما تمسك المجتمع بقيمه الأصيلة، واعتز بلغته وتاريخه وانتمائه، كان أكثر قدرة على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية وحماية أجياله القادمة من الذوبان في ثقافات لا تعبر عن واقعه ولا تخدم مستقبله.

زر الذهاب إلى الأعلى