الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: يد الإعلام الاجتماعي الخفية تفسد العلاقات بين الدول !
مقالات للرأي

أحدثت وسائل الإعلام الاجتماعي، أو ما يُعرف بـ Social Media، تحولًا جذريًا في طبيعة الاتصال الإنساني، ولم تعد مجرد منصات للتواصل بين الأفراد، بل تحولت إلى قوة ناعمة مؤثرة تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية لتطال العلاقات بين الدول والشعوب. هذا النوع من الإعلام، الذي يُطلق عليه أيضًا الإعلام الرقمي أو الإلكتروني أو الجديد، يختلف بشكل جوهري عن الإعلام التقليدي مثل الصحافة المطبوعة والتلفزيون والراديو، سواء من حيث السرعة أو الانتشار أو طبيعة المحتوى.
وتكمن خطورة الإعلام الاجتماعي في كونه فضاءً مفتوحًا لا يخضع بالضرورة لقيود جيوسياسية أو ضوابط قانونية صارمة، كما أنه لا يلتزم في كثير من الأحيان بمواثيق الشرف المهنية أو القواعد المنظمة للعمل الإعلامي. هذا الانفلات النسبي يمنحه قدرة هائلة على التأثير، ليس فقط على الأفراد، بل على الرأي العام الجمعي، وهو ما ينعكس بدوره على العلاقات بين الدول. نجد معلومة واحدة، سواء كانت صحيحة أو مضللة، يمكن أن تنتشر في دقائق معدودة وتؤثر على ملايين المستخدمين، بما قد يخلق حالة من التوتر أو سوء الفهم والأزمات بين الدول.
لقد أدركت العديد من الجهات، سواء كانت حكومات أو مؤسسات أو حتى جماعات غير رسمية، أهمية هذا التأثير، فسعت إلى استغلال منصات التواصل الاجتماعي لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ويتم ذلك غالبًا عبر تسخير ما يُعرف بالمؤثرين (Influencers) أو إنشاء ما يُسمى باللجان أو الكتائب الإلكترونية، وهي مجموعات منظمة تعمل على الترويج لسياسات معينة أو مهاجمة سياسات أخرى. وتقوم هذه الكيانات بضخ محتوى موجه، قد يتضمن أحيانًا شائعات أو ما يُعرف بالأخبار المصطنعة (Fake News)، بهدف توجيه الرأي العام في اتجاه معين.
ولا يقتصر التأثير السلبي للإعلام الاجتماعي على نشر الشائعات فحسب، بل يمتد إلى إمكانية إفساد العلاقات بين الدول من خلال تضخيم نقاط الخلاف أو افتعال أزمات غير موجودة من الأساس.
فقد يتم التركيز على تصريحات فردية أو مواقف هامشية وتقديمها على أنها تمثل سياسة دولة بأكملها، مما يؤدي إلى تأجيج المشاعر القومية وإثارة الرأي العام، وهو ما قد ينعكس سلبًا على العلاقات الدبلوماسية.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن الإعلام الاجتماعي يحمل أيضًا جوانب إيجابية، إذ يمكن أن يكون أداة لتعزيز التفاهم بين الشعوب ونشر الثقافة والحوار، كما يتيح للدول فرصة للتواصل المباشر مع الآخر مختلف اللغة والثقافة دون وسيط. وقد استخدمت بعض الدول هذه المنصات فيما يُعرف بالدبلوماسية الرقمية، لتعزيز صورتها وتحسين علاقاتها الدولية.
ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر يكمن في كيفية ضبط هذا الفضاء دون المساس بحرية التعبير. فالملاحقة القضائية للجهات التي تستغل الإعلام الاجتماعي بشكل سلبي ليست مهمة سهلة، نظرًا للطبيعة العابرة للحدود لهذه المنصات، كما أن كشف اللجان الإلكترونية يتطلب قدرات سيبرانية متقدمة وتقنيات تحليل بيانات معقدة. لذلك، أصبح الأمن الإلكتروني من القضايا الملحة التي فرضت نفسها في السنوات الأخيرة، حيث تسعى الدول إلى تطوير منظوماتها الدفاعية لمواجهة التهديدات الرقمية.
لكن الأمن وحده لا يكفي، إذ يجب أن يصاحبه إطار تشريعي واضح يضع قواعد منظمة للإعلام الاجتماعي، دون أن يتحول إلى أداة للمنع أو التقييد المفرط.
إن التوازن بين الحرية والمسؤولية هو الأساس لضمان بيئة إعلامية صحية تسهم في تعزيز الاستقرار بدلًا من تقويضه.
في الختام، يمكن القول إن الإعلام الاجتماعي بات سلاحًا ذا حدين في العلاقات الدولية؛ فهو قادر على بناء جسور من التفاهم كما يمكنه في الوقت ذاته إشعال فتيل الأزمات.
ومن هنا، تبرز أهمية الوعي المجتمعي، إلى جانب الجهود الحكومية والتشريعية، في توجيه هذا التأثير نحو ما يخدم الاستقرار والتعاون بين الدول والشعوب، بدلًا من أن يكون أداة للهدم والتفرقة !







