مقالات الرأى

د.علي المبروك أبوقرين يكتب: إكسكون صحة أفريقيا لقاء الحضارة بالعلم وكتابة مستقبل الصحة

مقالات للرأي

في قلب التاريخ حيث وُلدت أولى ملامح الطب على يد إمحوتب لا يعود الحديث عن الصحة مجرد شأن تقني أو قطاع خدمي إنما يتحول إلى امتداد لحضارة عرفت منذ فجر الإنسانية أن شفاء الإنسان هو جوهر العمران. ومن هذه الأرض من مصر الكنانة التي لم تكن يومًا هامشًا في مسار الطب كانت دائمًا أحد مراكزه الأولى. ينهض حدث استثنائي يعيد صياغة العلاقة بين الماضي والمستقبل في إكسكون صحة أفريقيا. ليس هذا المؤتمر مجرد تجمع للخبراء ولا منصة لتبادل العروض إنه لحظة وعي جماعي، تتقاطع فيها الجغرافيا بالتاريخ والسياسة بالعلم، والطموح بالقدرة. هنا لا تُعرض الحلول فقط إنما تُصاغ الرؤى وتُختبر الإرادات وتُبنى الشراكات التي قد تعيد رسم الخريطة الصحية للقارة الأفريقية والعالم العربي. لقد أدركت مصر بما تملكه من إرث طبي عريق أن الصحة ليست قطاعًا يُدار بل مشروعًا وطنيًا يُبنى ومنظومة متكاملة تتقاطع فيها التعليم الطبي والخدمات الصحية والصناعات الدوائية والتكنولوجيا والسياسات الصحية العامة. ومن هنا لم يكن صعودها في هذا المجال وليد الصدفة إنه نتيجة تراكمٍ طويل من الخبرة والاستثمار في الإنسان والمؤسسة. في هذا السياق يأتي إكسكون ليكون أكثر من مؤتمر إنه منصة سيادة صحية تُعلن فيها المنطقة عن قدرتها على الانتقال من موقع التلقي إلى موقع الفعل ومن استهلاك الحلول إلى إنتاجها. ففي عالم تتزايد فيه التحديات الصحية من الأوبئة العابرة للحدود إلى الأمراض المزمنة، ومن فجوات التمويل إلى اختلال توزيع الخدمات لم يعد مقبولًا أن تبقى أفريقيا والعالم العربي في موقع الانتظار. إنما أصبح لزامًا عليهما أن يؤسسا لنموذج صحي خاص يستند إلى واقعهما، ويستفيد من خبراتهما، ويستثمر مواردهما. وهنا تتجلى أهمية هذا الحدث. إكسكون لا يجمع فقط صناع القرار إنه يجمع العقول التي تصنع القرار. ولا يكتفي بعرض التكنولوجيا بل يطرح السؤال الأعمق كيف يمكن للتكنولوجيا أن تخدم الإنسان وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية والتحليل الخوارزمي أن تتحول من أدوات إلى منظومات تُعيد تعريف الرعاية الصحية؟ كما أنه لا يتوقف عند حدود العلاج إنه يمتد إلى الوقاية، وإلى بناء الإنسان الصحي، وإلى تعزيز الوعي المجتمعي، وإلى ربط الصحة بالتنمية الشاملة. فالصحة هنا ليست غاية هي شرط لكل نهضة ممكنة. وفي جانب لا يقل أهمية يفتح المؤتمر آفاقًا واسعة لتوطين الصناعات الدوائية، ليس فقط لتحقيق الاكتفاء الذاتي إنما لبناء قوة إنتاجية قادرة على المنافسة عالميًا. فحين تمتلك الدول دواءها، تمتلك جزءًا من سيادتها، وتُنتج معرفتها، إن ما يميز إكسكون ليس حجمه فقط إنما توقيته. فهو يأتي في لحظة عالمية تتغير فيها موازين القوى الصحية وتتجه فيها الدول إلى إعادة التفكير في منظوماتها الصحية بعد أن كشفت الأزمات الأخيرة هشاشة الكثير من النماذج التقليدية. وفي هذا التحول تبرز فرصة تاريخية للمنطقة لتكون جزءًا من الحل وليس مجرد متلق له. ومصر في هذا المشهد لا تلعب دور المستضيف فقط إنما دور القائد الذي يملك رؤية وتجربة وقدرة على التنفيذ. نموذجها في الإصلاح الصحي وفي التغطية التأمينية وفي الرقمنة وفي التعليم الطبي، يقدم مثالًا يمكن البناء عليه وتطويره. لكن في النهاية تبقى القيمة الحقيقية لهذا الحدث فيما يمكن أن ينتج عنه بعد انتهائه. فالمؤتمرات مهما بلغت عظمتها تظل لحظات عابرة إذا لم تتحول إلى سياسات وإلى مشاريع وإلى شراكات مستدامة. وهنا يكون التحدي الحقيقي أن يتحول إكسكون من حدث سنوي إلى حركة مستمرة، ومن منصة عرض إلى منظومة تأثير ومن لقاءٍ للنخب إلى رافعة لنهضة صحية شاملة. إن أفريقيا والعالم العربي لا ينقصهما الإمكانات إنما ينقصهما التكامل. ولا يفتقران إلى الموارد بل إلى الرؤية الجامعة. وإكسكون، بما يحمله من طموح، يمكن أن يكون أحد مفاتيح هذا التحول. في النهاية لا يكون السؤال ماذا قدم المؤتمر؟ إنما ماذا سنبني بعده؟ لأن التاريخ لا يُكتب في القاعات بل في ما يُترجم منها إلى واقع. وهنا تحديدًا قد يبدأ فصل جديد تُكتب فيه الصحة كعنوان لنهضةٍ أكبر.

زر الذهاب إلى الأعلى