د.علي المبروك أبوقرين يكتب: مصر تصنع الصحة …. من حضارة الطب إلى دولة الوقاية
مقالات للرأي

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تكفي فيها الأرقام وحدها لوصف ما تحقق لأن الرقم حين يكون ثمرة إرادة وطنية طويلة يتحول من مجرد إحصاء إلى شهادة على قدرة الدولة على أن ترى الإنسان قبل أن ترى المرض، وأن تبني منظومة للصحة لا تكتفي بمطاردة المرض بعد وقوعه، إنما تعمل على منعه قبل أن يولد، واكتشافه قبل أن يتفاقم، وملاحقته بالعلم قبل أن يتحول إلى مأساة إنسانية واقتصادية. ومن هذا المنظور تبدو التجربة المصرية الصحية في السنوات الأخيرة واحدة من التجارب التي تستحق أن تقرأ بعين أوسع من حدود المبادرات والبرامج، لأنها تكشف عن تحول مهم في فلسفة العمل الصحي من الاستجابة التقليدية للمرض إلى صناعة الصحة والوقاية وتعظيم قيمة الإنسان. ولم تكن شهادة منظمة الصحة العالمية في افتتاح النسخة السادسة من معرض ومؤتمر إيجي هيلث مجرد إشادة عابرة فقد وضعت أمام العالم سجلا رقميا يصعب تجاهله. مصر أصبحت في أكتوبر 2023 أول دولة في العالم تبلغ المستوى الذهبي لمنظمة الصحة العالمية في مسار القضاء على التهاب الكبد الفيروسي سي، بعد أن قامت ضمن حملة 100 مليون صحة بفحص أكثر من 60 مليون إنسان وعلاج أكثر من أربعة ملايين، وانخفضت الإصابات الجديدة من 300 حالة لكل مئة ألف نسمة عام 2014 إلى 9 حالات فقط عام 2022، مع تشخيص ما يقرب من 90 في المئة من الحالات المقدرة وعلاج أكثر من 93 في المئة منها، وهي أرقام لم تأت من حملة إعلامية وإنما من عمل صحي واسع النطاق استطاع أن يحول الفحص الجماعي إلى معرفة، والمعرفة إلى علاج، والعلاج إلى خفض حقيقي في عبء المرض. ولم يكن هذا الإنجاز معزولا عن بقية المسار. فقد حصلت مصر في عام 2024 على شهادة خلوها من الملاريا، وحققت القضاء على الحصبة والحصبة الألمانية، وأكدت منظمة الصحة العالمية القضاء على التراكوما كمشكلة صحية عامة في نوفمبر من العام الماضي، كما سبقه القضاء على داء الفيلاريات اللمفاوية عام 2018. وهنا يصبح التاريخ الطبي المصري حاضرا بصورة مختلفة فالأرض التي عرفت الطب منذ آلاف السنين لا تستعيد مجدها بالنظر إلى الماضي، وإنما باستعمال العلم الحديث لإغلاق دوائر مرضية ظلت مفتوحة لعقود وقرون. وتكتمل الصورة حين نغادر ميدان مكافحة الأمراض إلى ميدان التنظيم والصناعة. فحصول هيئة الدواء المصرية على مستوى النضج الثالث لمنظمة الصحة العالمية في تنظيم الأدوية واللقاحات، وكونها أول جهة تنظيمية في أفريقيا تحصل على المستوى نفسه في المجالين، بعد تقييمها وفق مئات المؤشرات التنظيمية، يمثل تحولا جوهريا في مفهوم الأمن الصحي لأن الدواء ليس مجرد منتج يصل إلى المريض وإنما منظومة تبدأ من البحث والتطوير والتصنيع والجودة والرقابة وتنتهي بسلامة الإنسان. كما أن اختيار مركز التطوير المهني المستمر التابع لهيئة الدواء المصرية مركزا إقليميا للتدريب في مجال التصنيع الحيوي لإقليم شرق المتوسط، ضمن شبكة عالمية محدودة يضيف بعدا آخر يتمثل في انتقال مصر من المستهلك للمعرفة والتكنولوجيا إلى إنتاجها وتدريب الآخرين عليها. وفي هذا السياق يأتي الإنجاز الذي أعلنته وزارة الصحة المصرية في مجال سوء تغذية الأطفال ليكشف عن طبقة أعمق من فلسفة الصحة العامة. انخفاض معدل الأنيميا بين الأطفال من 42.3 في المئة عام 2019 إلى نحو 8 في المئة عام 2026، وانخفاض التقزم من 6.9 في المئة إلى 4 في المئة خلال الفترة نفسها، ليسا مجرد رقمين تحسنّا في جدول إحصائي، وإنما هما مؤشران على أن الدولة بدأت تنظر إلى صحة الطفل باعتبارها استثمارا في الإنسان المصري قبل أن تكون استجابة لمرض قائم. فالطفل الذي ينمو بصورة سليمة لا يحتاج فقط إلى دواء أقل، وإنما يمتلك فرصة أكبر للتعلم والنمو والإنتاج والحياة الكريمة، ومن ثم فإن كل انخفاض في سوء التغذية هو في حقيقته ارتفاع في رأس المال البشري للأمة. والأهم أن فلسفة هذا الإنجاز لا تتوقف عند بوابة المدرسة. فالتقزم لا يبدأ يوم اكتشافه في الفحص المدرسي، وإنما قد تبدأ جذوره قبل الحمل في صحة الأم وتغذيتها، وتمتد إلى الحمل والولادة والرضاعة الطبيعية والتغذية التكميلية، ثم إلى البيئة والمياه والصرف الصحي. والتعليم والخدمات الصحية. ولهذا فإن الكشف المبكر ليس نهاية الطريق وإنما بوابة إلى منظومة متكاملة من التشخيص والعلاج والتغذية والمتابعة. وهنا تلتقي التجربة المصرية مع جوهر الصحة العامة الحديثة، لا يمكن علاج طفل بمعزل عن أمه ولا يمكن حماية الأسرة بمعزل عن بيئتها ولا يمكن بناء صحة وطن من دون الاستثمار في السنوات الأولى من حياة الإنسان. ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها تضع مصر أمام مسؤولية أكبر من الاحتفال بالإنجاز، مسؤولية المحافظة عليه وتحويله إلى نظام مستدام قائم على البيانات والترصد والبحث العلمي والوقاية والرعاية الأولية والتكامل بين القطاعات وهذا ما تفعله. وهذا هو المعنى الأعمق لما قاله ممثل منظمة الصحة العالمية حين وضع أمام المنطقة كلها فجوة صحية هائلة تضم 745 مليون إنسان في 22 دولة وإقليما، وملايين يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، وتفشيات مرضية متكررة وأمراضا غير معدية تحصد ملايين الأرواح وإنفاقا مرتفعا من الجيب، ونقصا متوقعا في القوى العاملة الصحية. في مثل هذا الإقليم المضطرب تصبح التجربة المصرية أكثر وأعظم من نجاح وطني وتصبح دليلا على أن بناء القدرة الصحية الوطنية ممكن، وأن الدولة حين تمتلك الرؤية والإرادة والبيانات تستطيع أن تنتقل من إدارة المرض إلى صناعة الصحة. مصر اليوم لا تبدأ من الصفر فهي تحمل إرثا طبيا وحضاريا عميقا، لكنها تضيف إلى ذلك الإرث لغة جديدة هي لغة النظم الصحية الحديثة والوقاية واسعة النطاق والبيانات والرقابة الدوائية والتصنيع والكشف المبكر والصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي وبناء القدرات. وهذا استمرار مع تاريخ مصر الطبي، وامتداد معاصر له فالحضارة التي صنعت المعرفة الطبية في بدايات التاريخ تستطيع أن تصنع في عصرها الحديث مؤسسات صحية تليق بالإنسان المصري والبشرية. إن الإنجاز الحقيقي الذي تحقق هو أكثر من مرضا انخفض أو مؤشرا تحسن إنما أصبحت فيها الوقاية جزءا من ثقافة الدولة، وأصبح الكشف المبكر عادة صحية، والدواء آمنا والمصنع جزءا من الأمن الصحي، والطبيب والعالم والممرض والباحث والمهندس وخبير البيانات جميعا شركاء في مشروع واحد اسمه الإنسان. إن ما حققته وزارة الصحة والسكان المصرية يستحق الإشادة باعتباره فصلا جديدا في قصة طويلة اسمها مصر، قصة وطن عرف قيمة الطب منذ فجر الحضارة، ثم أعاد في عصر العلم تعريف الصحة باعتبارها حقا وأمنا وتنمية وسيادة ومستقبلا. فحين تنجح دولة في أن تفحص عشرات الملايين وتعالج الملايين، وتقضي على أمراض تاريخية تصعب على دول كثيرة، وتخفض مؤشرات سوء التغذية وتبني جهازا دوائيا وفق المعايير الدولية، وتؤسس قدرات للتصنيع والتدريب، فإنها لا تكون قد عالجت أمراضا فحسب إنما برهنت للعالم على قدرتها على حماية الحياة. وهكذا يصبح الإنجاز المصري رسالة تتجاوز مصر نفسها، أن الأمم لا تقاس فقط بما تنتجه من ثروة وإنما بما تمنعه من مرض وما تنقذه من حياة وما توفره لطفل من نمو سليم، ولأم من رعاية ولمريض من علاج وللمجتمع من مستقبل أكثر عافية. تلك هي الدولة التي لا تنتظر المرض حتى يطرق أبوابها، وإنما تذهب إليه قبل أن يصل، دولة لا تكتفي بأن تعالج الإنسان عندما يمرض، وإنما تعمل منذ البداية على ألا يمرض. وعندما تصل الصحة إلى هذه المرحلة تتحول من خدمة تقدمها الدولة إلى مشروع حضاري تصنع به الدولة مستقبلها. إن مصر التي بنت في الماضي حضارة جعلت الطب جزءا من ذاكرة الإنسانية، إنها اليوم تبني حضارة صحية جديدة تجعل الوقاية والعلم والبيانات والتصنيع والإنسان أعمدة دولة حديثة للعافية. وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لكل هذه الأرقام. أن مصر لا تحتفل فقط بانخفاض المرض، وإنما تحتفل بشيئا أعمق بكثير وهو قدرتها على صناعة الصحة.
وهذه هي مصر الكنانة أرض الخير والمعرفة والعلم والصحة..










