د.علي المبروك أبوقرين يكتب: الجائحة القادمة ليست سؤالا عن إن كانت ستأتي إنما عن مدى استعدادنا لها
مقالات للرأي

لم تعد الجائحة القادمة احتمالا بعيدا يمكن تأجيل التفكير فيه إلى وقت آخر، فقد قال الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، بوضوح إن الجائحة القادمة ليست مسألة إذا حدثت وإنما متى تحدث. وهذا التحذير لا يعني أن العالم يعرف اسم الفيروس القادم أو موعد ظهوره أو مكان انطلاقه إنما يعني أن ظهور فاشيات جديدة وانتقال مسببات الأمراض بين الإنسان والحيوان وتغير المناخ وحركة السكان والسفر والتجارة والتوسع العمراني وتغير النظم البيئية كلها تجعل احتمال ظهور تهديدات وبائية جديدة حقيقة يجب أن تبنى عليها سياسات الدول وليس خبرا ينتظر نشره بعد وقوع الكارثة. لقد كشفت جائحة كوفيد-19 أن الفيروس قد يبدأ في مكان واحد ثم يتحول خلال أسابيع إلى أزمة تتجاوز الحدود والقارات، وأن آثار الجائحة لا تتوقف عند المرض والوفيات وإنما تمتد إلى الاقتصاد والتعليم والغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد والسفر والعمل والاستقرار الاجتماعي، وأن هشاشة أي جزء من العالم يمكن أن تصبح نقطة ضعف للجميع. والدرس الأهم الذي تركته الجائحة ليس فقط ضرورة امتلاك الأدوية واللقاحات وأجهزة التنفس وأسرة العناية المركزة إنما ضرورة امتلاك نظام صحي قادر على رؤية الخطر قبل أن يتحول إلى كارثة. فالاستعداد الحقيقي يبدأ قبل ظهور أول حالة، بالترصد الوبائي المستمر، والمختبرات القادرة على التشخيص السريع والتسلسل الجيني، وقواعد البيانات والسجلات الصحية، والذكاء الوبائي ومراقبة الأمراض غير المعتادة، ومراقبة الأمراض الحيوانية ومصادر المياه والغذاء والبيئة، وربط المعلومات الصحية بالزراعة والبيطرة والمياه والبيئة والنقل والمنافذ والجامعات ومراكز البحث وفق مفهوم الصحة الواحدة الذي يربط صحة الإنسان والحيوان والبيئة في منظومة واحدة. والاستباق لا يعني انتظار ظهور المرض حتى يبدأ العمل وإنما بناء قدرة وطنية على التنبؤ والإنذار المبكر وتحليل المخاطر واكتشاف الإشارات الصغيرة قبل أن تكبر. ولهذا تتجه المنظومات الصحية الحديثة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي والذكاء الوبائي ومصادر المعلومات المتعددة والتسلسل الجيني والمراقبة البيئية لمتابعة التغيرات التي قد تشير إلى تهديد جديد. فكل إشارة مبكرة قد تمنح العالم وقتا ثمينا وكل يوم يسبق فيه الاكتشاف انتشار المرض قد يغير مسار الأزمة. ثم يأتي الاستعداد وهو تحويل المعرفة إلى قدرة تشغيلية. أن تكون لدى الدولة خطط وطنية مكتوبة ومجربة وليست وثائق محفوظة في الأدراج، وسيناريوهات متعددة تبدأ من التفشي المحدود وتمتد إلى الانتشار الواسع، وقيادة واضحة للطوارئ ومراكز عمليات تعمل على مدار الساعة، وسلاسل إمداد لا تنهار عند إغلاق الحدود ومخزونات استراتيجية من الأدوية والمستلزمات ووسائل الحماية والمواد المخبرية، وقدرة على زيادة الأسرة والعناية المركزة والطواقم والمختبرات والنقل الطبي خلال ساعات وأيام، وأنظمة اتصال بديلة، وخطط لاستمرار الكهرباء والمياه والوقود والغذاء والاتصالات، وخطط لحماية العاملين الصحيين وأسرهم، وآليات واضحة لاستمرار الخدمات الصحية الأساسية أثناء الطوارئ. أما الاستجابة فهي لحظة الاختبار الحقيقي. فيها تتحول الدولة من مراقبة الخطر إلى العمل المنظم واكتشاف الحالات وعزلها وعلاجها وتتبع المخالطين عند الحاجة وتوسيع التشخيص، وحماية المستشفيات من الانهيار، وتوزيع الموارد وفقا للمخاطر، وحماية الفئات الأكثر عرضة، وإيصال المعلومات الدقيقة إلى الناس ومواجهة الشائعات والمعلومات المضللة واتخاذ التدابير الصحية والاجتماعية المبنية على الأدلة وفي الوقت المناسب. فسرعة الفعل المبكر ووضوح القيادة وثقة المجتمع وجودة الاتصال ليست عناصر ثانوية في إدارة الجائحة وإنما جزء من قدرتها على السيطرة على مسارها. ثم تأتي المرونة الصحية وهي قدرة النظام على الاستمرار تحت الضغط ثم التعافي والتعلم والتكيف دون أن يفقد وظيفته الأساسية. النظام المرن ليس نظاما لا يتعرض للصدمة إنما نظام يستطيع أن يتلقى الصدمة ويحافظ على الخدمات الضرورية، ويعيد توزيع موارده، ويستعيد قدرته ثم يخرج من التجربة أكثر استعدادا مما كان قبلها. ولذلك فإن كل فاشية يجب أن تصبح مدرسة وطنية، وكل أزمة يجب أن تنتج بيانات ودروسا وتعديلات في الخطط والتدريب والبنية التحتية وسلاسل الإمداد والتشريعات. لقد تعلم العالم من كوفيد-19 أن الاستعداد لا يبنى أثناء الجائحة. ولهذا تطورت خلال السنوات الماضية آليات جديدة للترصد والتمويل والاستجابة والتعاون الدولي، واعتمدت الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية اتفاق الجائحة لتعزيز الوقاية والاستعداد والاستجابة مع التركيز على الترصد والأنظمة الصحية والقوى العاملة والبحث والتطوير والإنتاج وسلاسل الإمداد والتمويل والتنسيق بين القطاعات. إن الجائحة القادمة لا تختبر وزارة الصحة وحدها وإنما تختبر الدولة كلها تختبر الصحة والتعليم والبحث العلمي والبيطرة والزراعة والمياه والبيئة والنقل والمنافذ والاتصالات والإعلام والاقتصاد والإدارة والأمن وتختبر قدرة المجتمع على الثقة والتعاون والانضباط. ولهذا فإن الاستعداد للجائحة ليس مشروعا صحيا منفردا وإنما مشروع أمن وطني شامل ومكون أساسي من مكونات الأمن الإنساني والاقتصادي والاجتماعي. نحتاج إلى الانتقال من ثقافة انتظار الكارثة إلى ثقافة صناعة الجاهزية ومن رد الفعل إلى الاستباق ومن علاج الحالات بعد انتشارها إلى منع الانتشار واكتشافه في بدايته ومن الخطط الورقية إلى الخطط المجربة بالمحاكاة ومن المخزون العشوائي إلى المخزون الاستراتيجي ومن البيانات المتفرقة إلى منظومة ذكاء صحي متكاملة ومن المؤسسات المنعزلة إلى شبكة وطنية مترابطة تستطيع أن تعمل في الظروف العادية والاستثنائية معا. ولهذا يجب أن يبدأ الاستعداد للجائحة القادمة الآن وليس غدا بتقييم الجاهزية الوطنية وتحديد الفجوات وبناء منظومات الترصد والإنذار المبكر، وتطوير المختبرات والتشخيص والتسلسل الجيني وإنشاء مراكز متقدمة لعمليات الطوارئ الصحية وتدريب الفرق المتخصصة وإعداد المخزونات الاستراتيجية وتأمين سلاسل الإمداد وتطوير الخطط البديلة للطاقة والمياه والاتصالات والنقل، وإجراء التمارين والمحاكاة بصورة دورية وحماية العاملين الصحيين، وإشراك الجامعات ومراكز البحث وبناء نظام اتصال صحي موثوق يصل إلى كل إنسان في الوقت المناسب. إن الجائحة القادمة ستأتي يوما ما لكن حجم خسائرها ليس قدرا مكتوبا بالكامل. ما سيصنع الفارق هو ما تفعله الدول والمجتمعات قبل وصولها. الاستعداد ليس تشاؤما والاستباق ليس تهويلا والإنذار المبكر ليس إثارة للخوف إنها مسؤولية تجاه حياة الناس ومستقبل الأوطان. لقد أعطانا العالم إنذارات كافية وأعطتنا كوفيد-19 درسا قاسيا، وأعطانا العلم أدوات لم تكن متاحة من قبل. وما ينقصنا ليس معرفة أن الخطر موجود وإنما تحويل المعرفة إلى إرادة وخطة وقدرة وبنية تحتية وتمويل وتدريب ومخزون وقيادة. فالدولة التي تستعد قبل الأزمة تحمي شعبها، والدولة التي تنتظر الأزمة حتى تبدأ الاستعداد تدفع ثمن التأخر من صحة مواطنيها واقتصادها ومستقبلها. الجائحة القادمة ليست سؤالا عن إن كانت ستأتي وإنما ماذا سنكون عندما تأتي.










