
هناك أنماط متعددة للاستدلال على وجود الإله، ومن هذه الأنماط؛ نمط الاستدلال على وجود الصانع من خلال الإتقان في الصنعة.
وفي التاريخ الفلسفي الإنساني نجد أن سقراط-ورغم أنه كان وثنيا- إلا أنه كان يرى إلها صانعا مدبرا يعتني بالعالم فوق سائر الآلهة.
لم يستسغ سقراط أن تكون هذه الموجودات كلها بلا صانع، بل ولا حتى تلك الآلهة التي لم يرفضها. فانضوت فكرته -ليس على فكرة المؤثر في الآثار- بل على صفات هذا المؤثر، باستبعاده أن تكون ثمة أحجار أو أخشاب مادية ذات أبعاد، ومتحيزة في جهة من الجهات، داخلة في الكون، مؤثرة في هذا العالم بالإيجاد، بل ولا حتى بالتصرف.
أما أفلاطون، فبدت فكرة العناية الإلهية عنده واضحة جدا، وأن هذه العناية ليست في حركات الكواكب وصورة العالم العامة فحسب، بل في الإنسان نفسه، وفي كل شيء في الوجود، إذ لا يليق بالإله أن يترك هذا العالم بغير نظام.
فاستدل أفلاطون بالعناية صعودا ونزولا، فاستدل بالظاهر منها على الصانع، ثم انتقل إلى ما يجب لهذا الصانع من صفات، فعاد من هذه الصفات مستدلا على لزوم النظام في مخلوقاته.
وأما الأستاذ الأول؛ أرسطو فجاء مستدلا بالحركة على الإله، وكان استدلاله متضمنا محورية الإله لحركة الأفلاك والأجرام، وهو ما يُترجم إلى كون حركة هذه الأجرام والأفلاك كلها نحو غاية محددة، وهو ما ينضوي عليه جانب من جوانب التصميم في الموجودات.
ويُلاحظ أن القاسم المشترك بين سقراط وأفلاطون وأرسطو يتمثل في رفض تفسير الوجود على أساس الصدفة والعشوائية المحضة، والسعي إلى ردّ ما يُشاهد في الكون من نظام وانتظام إلى مبدأ عقلي أعلى. فالتناسق الظاهر في الموجودات، وانتظام حركاتها، وتوجّهها نحو غايات محددة، لم يكن عندهم أمرًا اتفاقيًّا، بل دليلًا على قصدٍ سابق، وحكمةٍ متقدمة، تُفسّر بِنْيَة العالمَ، وهذا الذي نسميه دلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع.
كتبه: أحمد الشاعر
باحث دكتوراة في العقيدة والفلسفة






