
قبل أكثر من أربعين عاماً، كان حمل الكاميرا والتصوير الفوتوغرافي أو التلفزيوني نشاطاً يرتبط في الغالب بوسائل الإعلام المهنية مثل الصحف والمجلات والتليفزيون. وكان على المصور الصحفي أو التلفزيوني أن يبرز هوية جهة عمله، و صفته المهنية، كما تتطلب عمليات التصوير في بعض الأماكن تصاريح مسبقة وموافقات من الجهات المختصة.
ولم تكن الكاميرا آنذاك في متناول الجميع، ولم يكن من السهل أن يتحول كل مواطن خلال لحظات إلى مصور ومراسل !
لكن العالم تغير وأصبحت الكاميرا جزءاً أساسياً من الهاتف المحمول، وأصبح المواطن قادراً على تصوير الحدث لحظة وقوعه، ثم نشره على منصات التواصل الاجتماعي إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق.
ومن هنا ظهرت صحافة المواطن باعتبارها أحد مصادر المعلومات الجديدة، وأصبح الهاتف المحمول أداة للتوثيق والرصد ونقل الأحداث، خصوصاً في اللحظات التي قد تتأخر فيها وسائل الإعلام التقليدية عن الوصول إلى موقع الحدث في الوقت المناسب
هذه النقلة التكنولوجية حملت معها فائدة كبيرة، لكنها طرحت في الوقت نفسه سؤالاً بالغ الأهمية:
( هل التصوير حق من حقوق الحرية العامة، أم يمكن أن يتحول إلى اعتداء على خصوصية الآخرين؟)
الإجابة تبدأ من التمييز بين التصوير العام والتصوير الخاص.
التصوير في الأماكن المفتوحة والمرافق العامة، عندما يكون الهدف توثيق مشهد أو حدث عام دون استهداف الأشخاص بصورة تنتهك خصوصيتهم، يمكن أن يكون جزءاً من حق الإنسان في التعبير والتوثيق. تصوير شروق الشمس أو الغروب، الأمطار والسيول، مظاهر التلوث، الحوادث والكوارث، أو الأحداث التي تقع في المجال العام، كلها أمثلة على استخدام مشروع للكاميرا في خدمة التوثيق ونقل المعلومات.
بل إن الصورة أصبحت في بعض الحالات وثيقة لا تقل أهمية عن الخبر المكتوب فقد تكشف صورة عن حادث أو مخالفة أو ظاهرة بيئية ما قد يصعب وصفها بالكلمات.
كما أن كاميرات المراقبة المنتشرة في الشوارع والميادين والمنشآت أصبحت إحدى أدوات تحقيق الأمن، ومساعدة جهات البحث والتحقيق في كشف الجرائم، ورصد مخالفات المرور، فضلاً عن استخدامها في تأمين المنازل والمنشآت الخاصة.
لكن الأمر يختلف عندما ينتقل التصوير من المجال العام إلى المجال الخاص.
تصوير الإنسان داخل منزله، أو في مكان خاص، أو تسجيل محادثاته أو لحظاته الشخصية دون رضاه، ليس مجرد ممارسة عادية للحرية بل يمثل اعتداءً على حق أصيل هو الحق في الخصوصية.
والدستور المصري ينص صراحة على أن للحياة الخاصة حرمة، وأنها مصونة لا تمس. كما أن التشريع الجنائي يتضمن حماية من التقاط أو نقل صورة شخص في مكان خاص في غير الأحوال المصرح بها قانوناً أو بغير رضاه.
والأمر ذاته ينطبق على المناطق والمنشآت ذات الطبيعة الخاصة، مثل بعض المنشآت الأمنية والعسكرية، والمواقع الحساسة، وبعض المؤسسات والمناسبات والاجتماعات المغلقة، حيث لا يكفي أن يمتلك الشخص هاتفاً مزوداً بكاميرا لكي يصبح التصوير فيها حقاً مطلقاً.
وهنا تظهر مسؤولية جديدة فرضتها التكنولوجيا:
ليس كل ما يمكن تصويره يجوز نشره، وليس كل ما يجوز تصويره يجوز تحويله إلى محتوى متداول على الإنترنت.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود الكاميرا، وإنما في استخدامها.
إن التكنولوجيا محايدة، لكن طريقة استخدامها هي التي تحدد ما إذا كانت الصورة توثيقاً يخدم المجتمع، أم تعدياً على حياة شخص آخر.
كما أن ظهور الشخصية العامة أو المشهورة في مكان عام لا يعني بالضرورة سقوط حقها في الخصوصية. فهناك فارق بين تصوير شخصية عامة أثناء ممارسة نشاط عام يهم الجمهور، وبين ملاحقتها بالكاميرا في لحظة شخصية لا علاقة لها بوظيفتها أو بدورها العام.
لقد انتقلنا من زمن كان فيه المصور يحتاج إلى تصريح لكي يصور، إلى زمن أصبح فيه كل إنسان تقريباً يحمل كاميرا في يده .
وبين الزمنين تغيرت الأدوات، لكن القاعدة التي يجب ألا تتغير هي احترام الإنسان.
لذلك، فإن المعادلة الصحيحة هي معرفة الخط الفاصل بين حرية التصوير حرمة الخصوصية
الإجابة تحتاج إلى وعي قانوني ومهني وأخلاقي، لا إلى منع التكنولوجيا.
المجتمع الذي يمنع الكاميرا يخسر واحدة من أهم أدوات التوثيق، والمجتمع الذي يسمح بالتصوير بلا ضوابط يحول الخصوصية إلى سلعة متاحة للجميع !
الكاميرا اليوم ليست مجرد وسيلة لالتقاط صورة؛ إنها أداة إعلام وتوثيق ومساءلة، ولذلك فإن حرية استخدامها يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع المسؤولية عن الصورة، وسياقها، والشخص الذي يظهر فيها، وطريقة نشرها.
لا تعني الحرية الحقيقية أن أصور كل شيء، وإنما أن أعرف ما الذي يحق لي تصويره، وما الذي يجب أن أتركه خلف حدود خصوصية الآخرين !










