مقالات الرأى

بسمـة فـؤاد كتبت: حميدة خليل… بنت الجمالية

مقالات للرأي

كان الفجر يتسلل على مهل إلى الجمالية حين علا الأذان من ناحية الحسين. بدت الأزقة نصف نائمة، والبيوت متساندة كأنها تحرس بعضها، والمشربيات مطلة في صمت على الطريق. ومن فرن بعيد جاءت رائحة الخبز دافئة، فاختلطت بما بقي في الهواء من بخور الليل، وأيقظت الحارة قبل أهلها.

في بيت من تلك البيوت، نهضت فتاة قبل الجميع. تحركت على أطراف أصابعها، ولفّت الحَبَرة السوداء حول جسدها، ثم أسدلت البرقع على وجهها، فلم يظهر منه إلا عيناها. وقفت أمام الباب، وفي صدرها شيء لم تعرف له اسمًا؛ شيء كان ينتفض كلما سمعت كلمة «مصر»، ويضيق كلما رأت جنديًا غريبًا يمشي في شوارعها كأنه صاحبها.

لم يكن ما تنوي فعله مألوفًا لفتاة مثلها. أهلها لا يعرفون إلى أين تمضي، ولو عرفوا لأوقفوها؛ وربما عادت لتجد غضبًا وعتابًا وما هو أشد. خافت من الطريق، ومن البنادق، ومن البيت حين يعرف. ظلت يدها فوق الباب لحظة، ثم بدا لها أن الصمت هو الخوف الوحيد الذي لا تستطيع احتماله.

فتحت الباب.

وخرجت.

كان صاحب المقهى قد رفع بابه إلى منتصفه، كأنه لا يدري أيستقبل النهار أم يتحصن منه. لمحها وهي تمر، فتبعها بعينيه حتى آخر الزقاق. ومن وراء مشربية مائلة جاءها صوت امرأة خافتًا: ربنا يستر طريقك يا بنتي.

مضت، والجمالية تستيقظ من حولها؛ لمع النحاس في عتمة الدكاكين، وخفتت نداءات الباعة، ووقف الرجال عند النواصي يتبادلون الأخبار، فإذا لاح جندي انفضوا، ثم عادوا بعد مروره. كانت الحارة جميلة حتى في خوفها، تعرف أن الغريب قد يملأ الطريق بجنوده، لكنه يظل غريبًا مهما طال مقامه.

ومن ناحية الحسين جاءها هتاف بعيد، متقطعًا في البداية. لكنها كلما اقتربت ازداد وضوحًا وقوة، كأن الشوارع تتلقفه حارة بعد أخرى: يحيا سعد!

فترد أصوات أبعد: تحيا مصر!

تكاثرت الوجوه حولها؛ طلاب تركوا دروسهم، وعمال خرجوا من ورشهم، وأصحاب دكاكين أغلقوا أبواب رزقهم ومضوا. مر شاب يقول لصاحبه:

نفوا سعدًا… فخرجت مصر كلها.

وكانت مصر تخرج فعلًا؛ من المدارس والورش، من القرى والحارات، ومن خلف الأبواب والمشربيات.

دخلت بين المتظاهرين، فسمعت خلفها شيخًا هزّه العمر ولم يسكت صوته:

تحيا مصر!

التفتت، فمد إليها راية حمراء، عليها ثلاثة أهلة بيضاء، وفي جوف كل هلال نجمة. قبضت عليها، وشعرت أن ما اضطرب في صدرها طويلًا صار له لون وشكل.

إلى جوارها مشت نساء خرجن لا ليراقبن الرجال وهم يقاومون، بل لأن مصر وطنهن أيضًا. صاح رجل مذعور:

أبعدوا النساء… الإنجليز هيضربوا نار!

لكنها واصلت السير، والعلم يرتجف في يدها.

ظهر الحسين أمامها؛ مئذنته فوق الرؤوس، والحمام يحوم حولها، والبخور ينساب من الدكاكين. وفي طرف الميدان وقف الجنود البريطانيون ببنادقهم، غرباء باردين في قلب مكان لا يعرفهم.

علا الهتاف، فرفعت الراية وارتفع صوتها معه.

ثم ارتفعت البنادق.

دوّى الرصاص، فطار الحمام مذعورًا، وارتطمت الأبواب بالجدران، وتناثرت الطرابيش وأكواب الماء تحت الأقدام. اخترقت رصاصة جسد الفتاة، فسقطت الراية إلى جوارها، وانقطعت خطوتها بين الجمالية والحسين.

هناك استُشهدت حميدة خليل، لتبقى في الذاكرة الوطنية بوصفها أول شهيدة مصرية في ثورة 1919؛ فتاة عرف التاريخ لحظة موتها، لكنه لم يعرف أحلامها، ولا الأعوام التي كان يمكن أن تعيشها.

غير أن الرصاصة لم تُعد النساء إلى البيوت. ففي السادس عشر من مارس خرجت نحو ثلاثمائة امرأة بقيادة هدى شعراوي، وبرزت في قلب المقاومة أسماء مثل صفية زغلول ونبوية موسى وسيزا نبراوي؛ نساء حملن الراية، لا ليبكين الشهداء وحدهم، بل ليكملن الطريق.

لم تعد حميدة إلى الجمالية، لكن نساء مصر خرجن من بعدها، وبقيت مصر كما أرادتها: لا تنحني للغريب

 

 

 

 

.

زر الذهاب إلى الأعلى