د محمد رجب أبو تليح يكتب: دمعة في محراب الطف: وقفات قلبية ودروس خالدة مع الإمام الحسين بن علي سبط الرسول (صلى الله عليه وسلم)
مقالات للرأي
في كل عام، حين تهب نسائم شهر محرم الحرام، لا تمر على قلوب المؤمنين مرور الكرام، بل تترك فيها أثراً عميقاً، وتوقظ فيها وجداً دفيناً.
إنها ذكرى عاشوراء، ذكرى فاجعة الطف، ومأساة كربلاء.
ليست هذه الذكرى مجرد صفحة في كتاب تاريخ يُطوى، ولا مجرد حادثة مرت وانقضت بأحداثها، بل هي: “جرح عميق حي” في ضمير الأمة، ومدرسة إيمانية لا تنتهي دروسها.
نحن – أهل السنة والجماعة – حين نقرأ سيرة الإمام الحسين رضي الله عنه، ونستحضر استشهاده، فإننا لا نفعل ذلك بعقلية المؤرخ الجاف، ولا بلسان الخطيب المتكلف، بل نقرؤها بـ “القلب”، وبـ “المحبة الشرعية” التي أوصانا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ محبة لا تعرف الغلو، وحزن لا يعرف البدع، وإنما هو حب يمتد جذوره إلى حب المصطفى، وحزن يذرف دموعاً صادقة على فقيده، مع رضا بقضاء الله وتسليم لأمره.
– أولاً: مشهد الطف.. حين اختلطت دماء الأحبة بتراب كربلاء:
لنتخيل المشهد ببساطة وعمق، بعيداً عن التعقيدات: شمس العاشر من محرم تميل للغروب، والرمضاء تلفح الأجساد، والعطش قد شقق الشفاه. هناك، في وسط تلك الصحراء القاحلة، يقف الحسين رضي الله عنه، سبط رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وشبيهه في خَلقه وخُلقه. حوله أبناء عمه، وأهل بيته، وأصحابه، يسقطون واحداً تلو الآخر تحت سيوف القوم، وهو يراهم بصبر الأنبياء ويقين الصديقين.
لم يكن الحسين يقاتل من أجل كرسي دنيوي، ولا ليجمع مالاً، ولا ليحكم رقاب الناس. كان يقاتل ليحفظ “الإسلام” من التشويه، وليقول للتاريخ كلمة الحق: إن دين الله لا يُباع بدرهم، ولا يُساوم على منصب.
وفي تلك اللحظات الحاسمة، حين استُشهد ولده الرضيع، ويرفعه على يديه تجاه السماء مناديًا ربه ، وودع أحبابه، لم نسمع منه كلمة جزع، ولا سخطاً على القدر، بل سمعناه يقول بلسان حاله ومقاله: “رضاً بقضائك، وتسليماً لأمرك”.
هنا، تتجلى عظمة الموقف؛ إنه التسليم المطلق لله، حتى لو كان الثمن هو الروح، والأهل، والولد.
ثانياً: دروس خالدة.. من ينابيع كربلاء إلى قلوبنا:
إن مأساة كربلاء زاخرة بالدروس البسيطة في لفظها، العميقة في معناها، والتي تحتاجها أمتنا في كل زمان ومكان، ومنها:
1 – أن الحق لا يُقاس بالكثرة، بل باليقين:
نظر الجيش الأموي إلى قلة أصحاب الحسين (72 رجلاً) فاستصغروهم، وظنوا أن النصر حليفهم بحكم العدد والعدة.
لكن الحسين رضي الله عنه علمنا أن الحق لا يحتاج إلى أغلبية ساحقة لينتصر. قد يُهزم الحق جسداً في ساحة المعركة، لكنه لا يُهزم فكرة ولا مبدأ.
الدرس هنا: لا تخف من قلة السالكين في طريق الحق، ولا تغتر بكثرة المخالفين، فإن العاقبة دائماً للتقوى.
2 – الكرامة والحرية.. تاج على رؤوس الأحرار::
قوله الشهير: “هيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون”.
ليس شعارًا سياسيًا، بل هو منهج حياة. علمنا الحسين أن حياة الذل لا تساوي شيئًا أمام موت العز.
فالمسلم الحر لا ينحني لطاغوت، ولا يبيع مبادئه من أجل راحة جسده أو حفظ منصبه، من تنازل عن حقه وكرامته ليُرضي مخلوقًا، لئلا يخسر دينه ودنياه.
3 – خداع الدنيا وسعار المنصب:
انظر إلى أولئك القتلة، كيف باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم؟ ظنوا أنهم بقتل الحسين سينالون رضا الخليفة، ويحفظون مناصبهم، ويحصلون على المال. لكن ماذا جنوا؟ لقد لعنهم الله في كتابه وعلى لسان رسوله، وجعلهم عبرة في التاريخ.
والدرس العميق هنا: من أجل أن تحافظ على دينك وضميرك، لا تظلم أحدًا، ولا تكن أداة في يد الظالمين، فإن المنصب زائل، والوزر باقٍ إلى يوم الدين.
– ثالثاً: كيف نحزن ونحب؟..
– منهج أهل السنة في عاشوراء:
من جمال الإسلام وكماله أنه وضع لنا المنهج الصحيح حتى في الحزن وفي الحب.
نحن أهل السنة نبكي على مصاب الحسين رضي الله عنه، ودموعنا عليه رحمة، لكننا لا نلطم وجهًا خلقه الله طاهرًا كريمًا، ولا نشق جيبًا، ولا ندعو بويلات الجاهلية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون”.
هذا هو حزننا؛ حزن وقار، ودموع صمت، وصبر جميل.
كما أننا نحب آل البيت حبًا جمًّا، لكن محبتنا لهم لا تعني أبدًا سب الصحابة أو الطعن في تاريخ الأمة. نحن نبرأ إلى الله من قتلة الحسين، ونلعن من ظلمه، لكننا لا نخرج عن دائرة العدل والإنصاف. محبتنا للحسين تتجلى في أن نقتدي به في زهده، وشجاعته، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وتمسكه بالسنة.
إن ذكرى استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه ليست موسماً للنياحة، بل هي “بوصلة” توجه الأمة حين تتيه في ظلمات الفتن. هي تذكير لنا في كل يوم بأن الحق يحتاج إلى من يضحي لأجله، وأن الباطل مهما علا صوته فهو إلى زوال.
لنجعل من عاشوراء محطة لتجديد العهد مع الله، بأن نتمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وأن نحب آل بيت نبينا حباً يرضي الله ورسوله.
– رابعاً: رسالة من قلب محب إلى سبط الحبيب:
(وقفة وجدانية بين يدي أبي عبد الله):
يا أبا عبد الله.. يا سبط رسول الله وريحانته من الدنيا..
يا من سقيت كأس المنون، فصارت دماؤك الطاهرة نبراسًا يضيء دروب الأحرار إلى يوم الدين..
يا حسين.. يا جداه.
إننا نحبك، والله إنا لنحبك. نحبك لا لأنك ابن بنت النبي فحسب، بل لأنك ورثت شجاعته، وصبره، وسمو أخلاقه.
نحبك لأنك حين عُرِضت عليك الدنيا بزينتها، والملك بسلطانه، اخترت الله ورسوله والدار الآخرة.
يا سيدي، إن قلوبنا لتدمع عليك دموعًا، وإن أعيننا لتخشع، وإنا لفراقك لمحزونون. لكننا لا نقول إلا ما يرضي ربنا: “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
لقد ظلمك القوم ظلمًا عظيمًا، وغدر بك من ادعى نصرتك، لكن الله انتصر لك، وجعل مودتك في القلوب خالدة، وجعل ذكرى استشهادك حجة على كل ظالم وجبار استحل قتلك.
يا ريحانة المصطفى، نشهد الله أننا برآء من دمك، وأننا نبرأ إلى الله من فعل أولئك الظالمين. ونسأل الله أن يجمعنا بك في جنات النعيم، في رفقة جدك المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأبيك المرتضى، وأخيك المجتبى، وأمك الصديقة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
صلوات الله وسلامه عليك يا أبا عبد الله، وعلى أهلك الطاهرين، وأصحابك الأبرار.
فكل عام وأمتنا الإسلامية بخير، وكل عام ودموع المحبين لسبط المصطفى تروي زرعاً طيباً في أرض القلوب، ليُثمر عزاً وكرامة وتمكيناً.










