ثمة قامات أكاديمية لا تتوقف عند حدود التلقين والبحث، بل تحوّل العلم إلى رسالة حية تتقاطع فيها الهوية بالدبلوماسية، والتراث بالمستقبل. ويأتي الأستاذ الدكتور أحمد رجب محمد علي رزق أحمد في طليعة هذه النخبة المضيئة؛ فهو عبقرية تجمع بين رصانة العلم ودبلوماسية الثقافة؛ إذ يمثل نموذجاً استثنائياً للمفكر الموسوعي والعالم الإداري الرصين الذي لم يقنع بأسوار الجامعة المغلقة، فجعل من الآثار جسوراً ممتدة تصل بين قلب القاهرة العتيقة وضفاف آسيا الوسطى، مرسخاً مكانة مصر الثقافية في المحافل الدولية بروح الفارس الشغوف برسالته.
وثمة صدارة أكاديمية وريادة إدارية؛ حيث لم تكن المناصب الإدارية التي تقلدها الأستاذ الدكتور رجب رزق يوماً مجرد تشريف، بل كانت دائماً ساحةً للتطوير والابتكار. وتتويجاً لمسيرته الحافلة بالعطاء العلمي والإداري، صدر القرار الجمهوري رقم 345 لسنة 2025 بتعيينه نائباً لرئيس جامعة القاهرة لشئون التعليم والطلاب، ليقود دفة العمل الأكاديمي في واحدة من أعرق الجامعات العربية وهي جامعة القاهرة.
وقبل هذا التكليف الرفيع، ترك بصمته الراسخة إبان عمادته لكلية الآثار بجامعة القاهرة؛ حيث شهدت الكلية في عهده طفرة نوعية غير مسبوقة، تُوجت بحصول جميع برامجها الأكاديمية على الاعتماد من الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد التابعة لمجلس الوزراء. وهو إنجاز تاريخي يبرهن على رؤيته الثاقبة وحرصه البالغ على الارتقاء بالتعليم الجامعي المصري ليواكب أرفع المعايير العالمية.
ولمحة نحو محراب العلم، حيث يتجلى د. رجب رزق كأستاذ ورئيس لقسم الآثار الإسلامية والقبطية بكلية الآثار جامعة القاهرة، واهباً حياته لفك أسرار العمارة والفنون وتاريخ الحضارة الممتد. على مدار عقود، لم يكتفِ بنشر المعرفة، بل صنع أجيالاً تعاقبت على حمل لواء البحث العلمي، مشركاً إياهم في شغفه التراثي.
وقد انعكس هذا الثراء الأكاديمي في إشرافه على أكثر من 100 رسالة ماجستير ودكتوراه، ومناقشته لما يزيد عن 200 رسالة علمية داخل مصر وخارجها.
وتجاوزه عتبة الإشراف والمناقشة لمئات الرسائل العلمية لم يكن رقماً في سجل إنجازاته، بل كان حبات عرق وصبر، زرعها في عقول جيل كامل من الباحثين الذين يمثلون اليوم سفراء لمنهجه الرصين في مختلف الجامعات العربية والدولية، يحملون عنه دقة التحقيق وعمق التحليل ونبل الرسالة.
وامتد عطاؤه التدريسي والتحكيمي ليتجاوز الحدود الجغرافية، مشاركاً في بناء المناهج وتقييم البحوث في كبريات الجامعات العربية والدولية، لا سيما في المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والهند، وأوزبكستان.
حيث إن التراث ليس حجراً صامتاً من الماضي، بل هو لغة حية وأبجدية حضارية نبني بها جسور التواصل بين الشعوب، وننحت من خلالها ملامح هويتنا للمستقبل.
ولمحة ثانية حيث تتداخل أبعاد شخصية الدكتور أحمد رجب محمد علي رزق لتكشف عن وجه دبلوماسي مشرق؛ حيث شغل منصب الملحق الثقافي بسفارة جمهورية مصر العربية ومديراً للمركز الثقافي المصري في العاصمة الأوزبكية طشقند. وفي تلك البقاع، نجح باقتدار في إحياء الروابط التاريخية العميقة التي ميزت طريق الحرير القديم، وتوطيد الحضور الثقافي المصري في قلب آسيا الوسطى.
ولم تقف جهوده عند العمل الثقافي اليومي، بل أسهم بفاعلية في إعداد وصياغة وتفعيل عدد من الاتفاقيات الدولية الحيوية بين مصر وأوزبكستان، والتي تم توقيعها بحضور فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، مما جعله مهندساً حقيقياً للعلاقات الثقافية الثنائية.
ولمحة أخرى تتوج بتكريمات رفيعة ومكانة وطنية؛ حيث إن المسيرة الحافلة بالإنجازات لا بد أن تكلل بالتقدير، فقد منحه المجلس الأعلى للثقافة عام 2025 جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية، تقديراً لإسهاماته البحثية والعلمية المتميزة التي أثرت المكتبة العربية. ولم يكن الاحتفاء به محلياً فحسب، بل امتد دولياً بصدور مرسوم رئاسي من فخامة الرئيس الشوكت ميرضياييف بمنحه وسام جمهورية أوزبكستان من الطبقة الأولى، في لفتة تاريخية تعكس حجم إسهامه في تعزيز العلاقات بين البلدين.
وإلى جانب هذه التكريمات، ينشط د. رجب رزق في صياغة السياسات الثقافية والتعليمية بمصر؛ فهو عضو بارز في المجلس الأعلى للثقافة، ولجنة قطاع الآثار بالمجلس الأعلى للجامعات، واللجنة الدائمة للآثار الإسلامية بوزارة السياحة والآثار، علاوة على رئاسته لمجلس إدارة مركز تنمية وتطوير المواقع الأثرية، ومركز صيانة وترميم الآثار والمخطوطات بجامعة القاهرة.
وهذا يجعلنا ندرك أن صياغة وعي الأمة وبناء الإنسان
كان إيماناً منه بأن معركة الوعي هي الأساس في بناء الأوطان، حيث قاد الدكتور رجب رزق مبادرات وطنية بالغة الأهمية لتعزيز الهوية الحضارية لدى الأجيال الناشئة. فقد ترأس لجنة إعداد محتوى كتاب “من أنا” عن الحضارة المصرية بالمجلس الأعلى للجامعات، ليزرع في قلوب الشباب بذور الفخر ببلادهم. كما ترأس لجنة مقترحات مسارات الثانوية العامة وآليات القبول بالجامعات الحكومية، مسهماً في تطوير بنية التعليم قبل الجامعي والجامعي بما يتوافق مع متطلبات العصر.
لتُزيَّل الملحمة بهذه السطور لتظل مسيرة الأستاذ الدكتور رجب محمد علي رزق أحمد فصلاً مضيئاً في كتاب العطاء الأكاديمي المصري، فهي مسيرة تلهم الباحثين وتؤكد أن العالم الحق هو من يملك في يدٍ معول البناء والبحث العلمي، وفي اليد الأخرى مشعل الثقافة والدبلوماسية، ليبقى اسماً محفوراً بحروف من نور في ذاكرة التراث والتعليم الإقليمي والدولي، ومسيرة عطاء ممتدة، نقشت اسمها بحروف من نور في ذاكرة الوطن







