مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: في ذكرى النكبة… نكبات الوعي اخطر من نكبات الأرض : قراءة من الواقع !

مقالات للرأي

في كل عام، ومع اقتراب ذكرى النكبة الفلسطينية في الخامس عشر من مايو، تعود إلى الذاكرة واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ العربي الحديث يوم ضاعت فلسطين من بين أيدي العرب والفلسطينيين عام 1948، وشهد العالم قيام الكيان الإسرائيلي على أرضٍ ما زال شعبها حتى اليوم يدفع ثمن الخذلان الدولي والعربي على السواء و المؤلم أن النكبة لم تعد مجرد حدث تاريخي مضى عليه 78 عاما بل تحول إلى مسار ممتد من النكسات والهزائم والانقسامات التي أصابت الجسد العربي في عمقه السياسي والحضاري والإنساني.
لقد كانت نكبة فلسطين بداية عصر مثقل بالجراح، إلا أن النكبة الكبرى في تقديري لم تكن فقط ضياع الأرض، وإنما حالة الضعف والتراجع والتخاذل التي أصابت أمة وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها “خير أمة أخرجت للناس”. فمنذ نحو ثمانية عقود وحتى اليوم، لم تتوقف حلقات الصراع، ولم تتراجع إسرائيل عن مشروعها القائم على التوسع وفرض الهيمنة، بينما تراجع المشروع العربي من قضية مركزية جامعة إلى خلافات وانقسامات وصراعات داخلية أنهكت النظم والشعوب معاً.
ولم يكن الأمر مقتصراً على احتلال فلسطين، بل شهدت المنطقة سلسلة طويلة من الحروب العربية الإسرائيلية التي أكدت أن الصراع لم يكن يوماً صراع حدود فقط، بل صراع وجود ورؤية وهوية. وبالرغم من كل ما قيل عن السلام والتطبيع والتعايش، فإن الواقع أثبت أن طرفي هذا الصراع لا يلتقيان بسهولة، لأن جوهر الأزمة ما زال قائماً … شعب اقتُلعت أرضه، ومشروع استيطاني يسعى لترسيخ وجوده بالقوة العسكرية والدعم الدولي غير المحدود.
لقد تغيرت أشكال الصراع عبر العقود؛ من المواجهات العسكرية المباشرة إلى الاختراقات السياسية والثقافية والاقتصادية، تحت عناوين براقة مثل “السلام” و”التعايش” و”الاتفاقات الإبراهيمية”. غير أن الشعوب العربية بقيت، في أغلبها، تنظر إلى إسرائيل باعتبارها كياناً قائماً على القوة والاحتلال، مهما تبدلت الشعارات أو تغيرت التحالفات الرسمية.
ولهذا لم تستطع اتفاقيات السلام، ولا موجات التطبيع، ولا حتى التحولات التي صاحبت ما يسمى “الربيع العربي”، أن تذيب الحاجز النفسي والتاريخي بين المواطن العربي وإسرائيل.
ثم جاءت حرب غزة في السابع من أكتوبر 2023 لتعيد تشكيل المشهد بالكامل، وتكشف حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وحجم الانهيار الأخلاقي الذي أصاب النظام الدولي المعاصر.
وعلى مدار ما يقرب من عامين، تحولت غزة إلى ساحة مفتوحة للدمار والقتل والحصار، في مشهد غير مسبوق من حيث حجم الضحايا واستهداف المدنيين والبنية التحتية والحياة الإنسانية بأكملها.

ووفقاً لآخر الإحصاءات المعلنة حتى السابع من مايو 2026، ارتفع عدد الشهداء في قطاع غزة إلى أكثر من 72 ألف شهيد، فيما تجاوز عدد المصابين 172 ألفاً، بينما لا تزال أعداد كبيرة من الضحايا تحت الأنقاض وفي الطرقات، وسط عجز فرق الإنقاذ والإسعاف عن الوصول إليهم وهي أرقام مرعبة لا تعكس فقط حجم الكارثة الإنسانية، بل تكشف أيضاً عجز العالم عن وقف واحدة من أكثر الحروب دموية في العصر الحديث.
لقد سقطت شعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي أمام مشاهد قتل الأطفال والنساء وتجويع المدنيين وتدمير المستشفيات والمدارس ودور العبادة.
وبدا واضحاً أن النظام الدولي يتعامل بمعايير مزدوجة، حيث تُطبق القوانين على الضعفاء فقط، بينما تُمنح القوى الكبرى وحلفاؤها حصانة سياسية وعسكرية كاملة مهما ارتكبوا من انتهاكات.
و المفارقة التي كشفتها حرب غزة أيضاً، أن الصراع لم يعد كما كان في السابق نجد للمرة الأولى منذ عقود، وصول صواريخ محاور المقاومة إلى عمق الداخل الإسرائيلي، وتحول الخوف إلى حالة يومية في حياة المواطن الإسرائيلي الذي وجد نفسه أسيراً للملاجئ وصفارات الإنذار.
وهذا التطور يعكس أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد فيها إسرائيل قادرة على فرض معادلات الأمن المطلق كما كانت تفعل سابقاً.
ومن هنا، فإن التصعيد الحالي مع إيران لا يمكن فصله عن السياق الأشمل للصراع في المنطقة.
إن الحرب الدائرة اليوم، سواء بشكل مباشر أو عبر الوكلاء والتحالفات، تبدو جزءاً من رحلة صراع طويلة ومفتوحة، تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية مع الأبعاد العقائدية والاستراتيجية والچيوسياسية
ويعيش الشرق الأوسط بأكمله اليوم على وقع إعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ، وسط تراجع عربي واضح وغياب مشروع موحد قادر على حماية الأمن القومي العربي.
وفي ذكرى النكبة،الثامنة والسبعين لا يبدو السؤال الحقيقي متعلقاً فقط بما حدث عام 1948، بل بما حدث للعرب منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم. (لماذا تكررت النكبات؟ ولماذا تحولت الأمة من حالة الحلم بالمشروع القومي والوحدة إلى واقع الانقسام والتفكك والحروب الداخلية؟)
(وكيف يمكن استعادة الحد الأدنى من التضامن والوعي في مواجهة تحديات وجودية تهدد حاضر المنطقة ومستقبلها؟)
إن فلسطين ستبقى عنواناً مركزياً للصراع في الشرق الأوسط، ليس فقط لأنها أرض محتلة، بل لأنها مرآة تكشف حقيقة الواقع العربي بكل ما فيه من ضعف وتناقضات.
وربما تكون أخطر النكبات هي تلك التي تصيب الوعي قبل الأرض، وتجعل الأمة تتعايش مع الهزيمة وكأنها قدر دائم لا يمكن تغييره !

زر الذهاب إلى الأعلى