مقالات الرأى

د علي المبروك أبو قرين يكتب : من برديات الشفاء إلى معايير الاعتماد

مقالات للرأي

في أرض كتبت على جدران معابدها أولى ملامح الطب، حيث كان الإنسان يُداوى بالحكمة كما يُداوى بالعِلم، وحيث سطرت البدايات الأولى لفهم الجسد والمرض في زمن الحضارة المصرية القديمة، لم يكن الطب يومًا مهنة عابرة، كان رسالة حضارية ممتدة، تتجدد مع كل جيل، وتُثبت أن هذه الأرض لا تُنجب إلا نظامًا صحيًا يسعى إلى الكمال. واليوم تعود مصر لتكتب فصلًا جديدًا من فصول التميز، ليس استنادًا إلى إرثها فقط إنما بقدرتها على تحويل هذا الإرث إلى منظومة حديثة تُدار بالعلم، وتُقاس بالجودة، وتُحكم بالمعايير الدولية. إن حصول الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية على اعتماد ISQua EEA بنسبة تطابق بلغت 99.6% ليس مجرد رقم يُضاف إلى سجل الإنجازات، بل هو شهادة عالمية على نضج منظومة صحية قررت أن تُنافس الكبار وأن تكون بينهم وأولهم وفي مقدمتهم، هذا الإنجاز يعكس رؤية دولة أدركت أن الصحة ليست خدمة تُقدم إنما نظام يُبنى، وأن الجودة ليست شعارًا، بل التزامًا يوميًا يُترجم إلى معايير وإجراءات وثقافة مؤسسية. وهنا يبرز الدور المحوري للهيئة التي لم تكتفِ بتبني المعايير، بل أعادت صياغتها بروح مصرية حديثة، تستوعب تحديات الواقع، وتستشرف آفاق المستقبل. لقد جاء إصدار 2026 من معايير الاعتماد ليُجسد هذا التحول العميق، حيث لم يكن مجرد تحديث تقني، بل إعادة تعريف لفلسفة الرعاية الصحية ذاتها. معايير أكثر وضوحا وأكثر مرونة وأكثر قدرة على التكيف مع واقع المنشآت الصحية، ومع تسارع الابتكار الطبي. إن إدماج الذكاء الاصطناعي وتنظيم استخدامات الليزر وتعزيز الحوكمة الإكلينيكية، وتطوير خدمات التطبيب عن بُعد كلها ليست إضافات شكلية بل مؤشرات على نظام صحي يُفكر بلغة المستقبل. وفي قلب هذا الإنجاز يقف الإنسان المريض أولًا، الذي أصبحت سلامته وتجربته محورًا لكل معيار وكل إجراء وكل تقييم. فحين تُصان الخصوصية، وتُضمن استمرارية الرعاية، وتُدار المخاطر بكفاءة، فإننا لا نتحدث عن نظام صحي فقط، بل عن منظومة كرامة إنسانية تُحترم فيها الحياة بكل تفاصيلها. ولا يمكن لهذا التحول أن يتحقق دون قيادة واعية، حملت على عاتقها مسؤولية التغيير، ومضت به بثقة وثبات. وهنا يبرز اسم الاستاذ الدكتور أحمد طه الذي قاد هذا المسار برؤية استراتيجية جمعت بين الدقة العلمية والطموح الوطني، إلى جانب الجهود المتواصلة للعاملين في الهيئة، الذين شكلوا منظومة عمل متكاملة، تُجسد معنى الاحتراف المؤسسي. كما يتكامل هذا الإنجاز مع الجهود الأوسع التي يقودها معالي الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحة والسكان، في إطار مشروع وطني يسعى إلى إعادة بناء القطاع الصحي المصري على أسس حديثة، تُعلي من شأن الجودة، وتُعزز ثقة المواطن، وتفتح آفاقًا جديدة لمكانة مصر الإقليمية والدولية في مجال الرعاية الصحية. إن ما تحقق اليوم ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فالمعايير حين تُعتمد عالميًا، تصبح مسؤولية الحفاظ عليها وتطويرها أكبر، والتحدي الحقيقي يكمن في تحويلها إلى ممارسة يومية داخل كل منشأة صحية، من أكبر المستشفيات إلى أصغر العيادات. إنها لحظة فخر لكنها أيضًا لحظة وعي. وعي بأن بناء نظام صحي قوي لا يتم بالإنجازات المتفرقة، بل بالاستمرارية وبالاستثمار في الإنسان، وبترسيخ ثقافة الجودة كقيمة لا تتغير. مصر اليوم لا تستعيد مجدها الطبي فحسب بل تُعيد تعريفه.
*الجودة بصمة مصرية*
د.علي المبروك أبوقرين

زر الذهاب إلى الأعلى