مقالات الرأى

د فايد محمد سعيد: الأشهر الحرم بين النص الغائب والواقع المتجاوز

مقالات للرأي

 

 

إنَّ من أعظم الأزمات التي يعيشها العالم المعاصر اليوم أزمةُ العنف المتكرر، وتآكل الحس الأخلاقي في إدارة الصراعات، حتى غدت الحروب مشهدًا يوميًا معتادًا، وفقد الإنسان شيئًا من حساسيته تجاه الدم والألم والخراب. ولم تعد المشكلة في وقوع النزاعات فحسب، بل في اعتيادها، وفي تحوّل العنف إلى جزء من المشهد الإنساني الطبيعي.

وفي خضم هذا الاضطراب العالمي، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة النماذج الأخلاقية التي قدّمها الوحي الإلهي، والتي لم تكن مجرد أحكام تعبدية معزولة، بل كانت جزءًا من مشروع حضاري متكامل يهدف إلى تهذيب الإنسان، وضبط علاقته بالزمن والعنف والمسؤولية.

ومن أبرز هذه النماذج: الأشهر الحرم، التي جعلها القرآن الكريم جزءًا من النظام الكوني والتشريعي، وربط بها جملة من المعاني الأخلاقية والروحية والإنسانية.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].

وقد دلّت الآية على أن حرمة هذه الأشهر ليست مجرد تنظيم تاريخي أو عرف اجتماعي، بل هي جزء من “الدين القيم”، أي من البناء الأخلاقي المستقيم الذي أراده الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان. قال الإمام الطبري: “خصّ الله هذه الأشهر بمزيد تعظيم، وجعل الذنب فيها أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم”¹.

ومن هنا تتجلّى الوظيفة الحضارية للأشهر الحرم؛ إذ لم يُرِد الإسلام فقط تقليل العنف، بل أراد بناء ضمير يراقب نفسه حتى في أوقات القدرة والصراع.

أولًا: الأشهر الحرم بين القداسة الزمنية والوظيفة الأخلاقية

الأشهر الحرم أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. وقد بيّنها النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع فقال:

“إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم…”²

ويكشف هذا الحديث عن أن الأشهر الحرم ليست مجرد تقسيم زمني، بل جزء من النظام الكوني الذي أودع الله فيه المعاني الأخلاقية والتربوية.

وقد فهم العلماء من ذلك أن الزمن في الإسلام ليس محايدًا أخلاقيًا، بل يحمل وظائف تربوية وروحية. قال الإمام القرطبي: “خصّ الله تعالى هذه الأشهر بالتعظيم، ونهى عن الظلم فيها تشريفًا لها، وإن كان الظلم منهيًا عنه في كل زمان”³.

ومن هنا يمكن تعريف “الأخلاق الزمنية” بأنها:

منظومة قيمية تجعل للزمن وظيفةً أخلاقية في تهذيب السلوك الفردي والجماعي، وتحويل بعض الأزمنة إلى محطات مراجعة وكفٍّ وتأمل.

وهذا المفهوم يكاد يكون غائبًا في الفلسفات المادية الحديثة، التي تنظر إلى الزمن بوصفه إطارًا محايدًا للإنتاج والاستهلاك، لا وعاءً أخلاقيًا لتربية الإنسان.

ثانيًا: من التعظيم الفطري إلى التراجع الحضاري المعاصر

من المفارقات اللافتة أن العرب قبل الإسلام—على ما كان في مجتمعهم من اضطراب وثارات—قد احتفظوا بشيء من تعظيم الأشهر الحرم، فكانوا يوقفون القتال فيها، ويؤمّنون الطرق، ويمنحون الناس مساحة من الطمأنينة المؤقتة.

وقد أشار القرآن إلى أصل هذا التعظيم، مع تصحيح الانحرافات المتعلقة بالنسئ والتلاعب بالأشهر، فقال تعالى:

﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37].

قال ابن كثير: “كانوا يؤخرون الشهر الحرام ويقدمون غيره بحسب أهوائهم، فذمّهم الله على ذلك”⁴.

غير أن المتأمل في الواقع المعاصر يلحظ أن البشرية—رغم ما بلغته من تقدم تقني وقانوني—قد فقدت حتى هذا الحد الأدنى من التعظيم الأخلاقي للزمن. فلم تعد هناك أزمنة للكفّ، ولا مواسم للمراجعة، بل أصبح الصراع مفتوحًا بلا حدود معنوية أو إنسانية.

وفي هذا السياق، أشار عدد من الباحثين الغربيين إلى البعد الأخلاقي الفريد في تنظيم الزمن داخل الحضارة الإسلامية. فقد لاحظ المستشرق البريطاني مونتغمري وات أن الإسلام “لم ينظر إلى الزمن باعتباره مجرد تعاقب للأيام، بل بوصفه عنصرًا تربويًا يؤثر في تشكيل المجتمع والسلوك”⁵.

كما رأى الباحث الفرنسي لويس ماسينيون أن المواسم والشعائر الزمنية في الإسلام “أسهمت تاريخيًا في خلق فترات تهدئة اجتماعية وروحية داخل المجتمعات الإسلامية”⁶.

ورغم أن هذه الدراسات لم تتناول الأشهر الحرم دائمًا بصورة مستقلة، إلا أنها تكشف إدراكًا متزايدًا لدى بعض الدارسين الغربيين لخصوصية العلاقة بين الزمن والأخلاق في التصور الإسلامي.

ثالثًا: “فلا تظلموا فيهن أنفسكم” — من فقه التحريم إلى فقه التهذيب

تُعد جملة:
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾
من أعظم الآيات المؤسسة للأبعاد الأخلاقية للأشهر الحرم.

فالآية لم تقتصر على النهي عن القتال، بل جاءت بصيغة عامة تشمل كل صور الظلم والانحراف.

قال الإمام ابن عاشور: “خصّ الله هذه الأشهر بمزيد عناية لتكون زمنًا يكثر فيه تذكر الناس لحرمة الظلم”⁷.

وهذا يكشف أن الغاية ليست مجرد المنع القانوني، بل بناء حالة شعورية وأخلاقية تجعل الإنسان أكثر قدرة على كبح نزعات العدوان والغضب والتوحش.

ومن هنا، فإن الأشهر الحرم تمثل مدرسة تربوية لتدريب الإنسان على:

1. ضبط النفس.
2. وتعظيم الدماء.
3. وكفّ الأذى.
4. ومراجعة السلوك.
5. وإحياء الضمير.

وقد ربط النبي ﷺ بين حرمة الزمان وحرمة الإنسان، فقال في خطبة الوداع:

“إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا”⁸.

وهذا الربط النبوي يكشف عن رؤية أخلاقية متكاملة ترى أن انتهاك الزمن المقدس يقود تدريجيًا إلى انتهاك القيم الإنسانية نفسها.

رابعًا: الأشهر الحرم وأزمة الأخلاق في الحروب المعاصرة

إن العالم المعاصر يعيش حالة من “الانفصال الأخلاقي” في إدارة الصراع؛ إذ تُدار الحروب غالبًا بمنطق القوة والمصلحة والهيمنة، لا بمنطق القيم والضمير.

وفي كثير من النزاعات الحديثة، لم تعد هناك لحظات تهدئة حقيقية، ولا مواسم للكفّ والمراجعة، بل أصبح الإنسان يعيش في حالة تعبئة دائمة ضد الآخر.

وقد كشفت الحروب المعاصرة—بما فيها النزاعات التي استمرت خلال مواسم دينية مقدسة لدى شعوب مختلفة—عن أزمة عميقة في الضمير الإنساني، حيث لم تعد القداسة الزمنية قادرة على إيقاف آلة العنف أو حتى تخفيفها.

ومن هنا تظهر أهمية مفهوم الأشهر الحرم بوصفه نموذجًا أخلاقيًا يمكن أن يسهم في إعادة تشكيل أخلاقيات النزاع من خلال:

1. إدخال البعد الزمني في ضبط العنف.
2. توفير محطات مراجعة أخلاقية أثناء الصراع.
3. تعزيز فكرة الكفّ الاختياري لا القسري فقط.
4. إعادة الاعتبار للضمير الداخلي في مواجهة منطق القوة.
5. تحويل الزمن إلى شريك في صناعة السلام.

إن أخطر ما يواجه العالم اليوم ليس فقط اتساع رقعة الحرب، بل اختفاء الأزمنة التي كان الإنسان يتوقف فيها ليتذكر أنه ما زال إنسانًا.

خامسًا: البعد الواقعي والتطبيقي لإحياء مفهوم الأشهر الحرم

إن إعادة إحياء مفهوم الأشهر الحرم لا ينبغي أن تبقى حبيسة الخطاب الوعظي أو الدراسات النظرية، بل يجب أن تتحول إلى مشروع أخلاقي وإنساني قابل للتفعيل الواقعي.

زر الذهاب إلى الأعلى