مقالات الرأى

بسمة فؤاد تكتب: حين يصبح الفن ضرورة

مقالات للرأي

العنوان :
“نحن لا نصنع الفن لأن العالم مثالي، بل لأن الإنسان يحتاج دائمًا إلى ما يذكّره بإنسانيته”
ربما لا توجد عبارة واحدة قادرة على اختصار دور الفنون في حياة المجتمعات، لكن المؤكد أن المسرح، والموسيقى، والسينما، والأدب، لم تكن يومًا مجرد وسائل للترفيه. فالفنون، عبر التاريخ، كانت دائمًا إحدى الطرق التي حاولت بها الشعوب أن تفهم نفسها، وأن تحافظ على ذاكرتها، وأن تمنح الإنسان مساحة أوسع للتعبير والحلم والتواصل.
الحضارات لا تُقاس فقط بما شيّدته من إمبراطوريات، بل بما تركته من أثر إنساني قادر على البقاء. فبعد آلاف السنين، لا نتذكر من الحضارات القديمة جيوشها بقدر ما نتذكر معابدها، ونقوشها، وأساطيرها، وموسيقاها، وحكاياتها التي بقيت حيّة رغم تغيّر الأزمنة وسقوط المدن. لم يكن الفن يومًا عنصرًا هامشيًا في بناء الحضارات، بل كان دائمًا جزءًا من الطريقة التي ترى بها الشعوب نفسها والعالم من حولها.
في مصر القديمة مثلًا، لم تكن الجداريات والنقوش مجرد زينة معمارية داخل المعابد والمقابر، بل كانت وسيلة لفهم الكون والحياة والموت والخلود. الموسيقى كانت جزءًا من الطقوس اليومية والدينية، والعمارة نفسها حملت تصورًا فلسفيًا عن النظام والانسجام والبعث. وحتى اليوم، لا يزال العالم يرى الحضارة المصرية القديمة من خلال فنونها بقدر ما يراها من خلال تاريخها السياسي.
الأمر نفسه يمكن ملاحظته في الحضارة اليونانية، حيث كان المسرح جزءًا أساسيًا من الحياة العامة، ليس بوصفه وسيلة للتسلية فقط، بل مساحة للتفكير والنقاش وطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالسلطة والعدالة والخوف والمصير الإنساني. ومنذ ذلك الوقت، ظل الفن مرتبطًا بمحاولة الإنسان فهم نفسه والعالم من حوله. وفي الحضارة الإسلامية أيضًا، لعبت الفنون دورًا محوريًا في تشكيل الهوية الحضارية، من العمارة والخط العربي إلى الموسيقى والشعر، حيث ارتبط الجمال دائمًا بفكرة المعرفة والروح والبحث عن المعنى. وخلال عصر النهضة الأوروبية، لم يكن الاهتمام بالفنون منفصلًا عن التحولات الفكرية والعلمية الكبرى. فلوحات دافنشي ومايكل أنجلو لم تكن مجرد أعمال بصرية مبهرة، بل انعكاسًا لتحول عميق في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم. الفن هنا لم يكن تابعًا للحضارة، بل أحد المحركات الأساسية لها.
حتى أوروبا الحديثة، بعد الحرب العالمية الثانية وما خلّفته من دمار واسع وانهيار إنساني، أدركت أن إعادة بناء المدن وحدها لا تكفي، وأن ترميم الإنسان لا يقل أهمية عن ترميم الحجر. ولهذا جاء الاهتمام بالمسرح، والسينما، والموسيقى، والمتاحف، والتعليم الثقافي، باعتباره جزءًا أساسيًا من إعادة بناء الوعي الإنساني بعد سنوات الحرب والعنف. لم يكن الاهتمام بالفنون هناك رفاهية جاءت بعد التنمية، بل أحد العناصر التي ساهمت في بناء مجتمعات أكثر استقرارًا، وأكثر قدرة على إنتاج حضارة حديثة ومؤثرة.
وربما لهذا قال سعد الله ونوس إن “المسرح فعل تحريض على التفكير”، لأن الفن الحقيقي لا يمنح الإنسان إجابات جاهزة، بل يدفعه إلى رؤية نفسه والعالم بصورة أكثر عمقًا. ولهذا أيضًا تبدو عبارة مارسيل خليفة “الثقافة مقاومة” أكثر اتساعًا من معناها السياسي المباشر؛ فالفنون، في جوهرها، مقاومة للقسوة، والعزلة، والنسيان، وكل ما يجعل الإنسان أقل إنسانية.
ولم يعد الحديث عن تأثير الفنون على الوعي والتماسك المجتمعي مجرد انطباعات ثقافية أو رؤى فلسفية، بل أصبح موضوعًا حاضرًا في دراسات وأبحاث ومبادرات دولية واسعة. فاليونسكو أكدت في أكثر من إطار ومبادرة دولية أن التعليم الثقافي والفنون يساهمان في تعزيز التعاطف، والحس الإنساني، والاندماج المجتمعي، وبناء السلام، خصوصًا لدى الشباب والأطفال. كما أشارت تقارير ومبادرات دولية مرتبطة بالتعليم والثقافة إلى أن الفنون تساعد على تطوير القدرة على الحوار وفهم الآخر، وتخلق مساحات أكثر إنسانية للتواصل داخل المجتمعات.
ولهذا لم يعد ينظر إلى المسرح، والموسيقى، والفنون الأدائية، باعتبارها مجرد أنشطة ترفيهية، بل باعتبارها أدوات قادرة على التأثير في الوعي الفردي والجمعي، وتعزيز الإحساس بالهوية والانتماء، وخلق مجتمعات أكثر قدرة على التعايش والتسامح.
ولا يقتصر تأثير الفنون على الجانب الثقافي وحده، بل يمتد بصورة مباشرة إلى الاقتصاد والمجتمع وجودة الحياة نفسها. فخلف كل فيلم، أو عرض مسرحي، أو أغنية، أو مشروع بصري، توجد منظومة كاملة من العمل والإنتاج والمعرفة؛ ممثلون، وكتّاب، ومخرجون، ومصورون، ومصممون، ومهندسو صوت، وفنيون، وموسيقيون، وصناع محتوى، وغيرهم من المهن التي أصبحت تشكل اليوم جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الإبداعي العالمي.
ولهذا لم تعد الصناعات الثقافية والفنية قطاعًا هامشيًا كما كان يُنظر إليها سابقًا، بل تحولت في كثير من دول العالم إلى أحد محركات التنمية الحديثة، لما تخلقه من فرص عمل، وقدرتها على جذب الاستثمارات والسياحة، وتعزيز صورة المجتمعات وهويتها الثقافية. فالدول التي استثمرت طويلًا في الفنون، لم تكن تراهن فقط على الترفيه، بل على بناء إنسان أكثر قدرة على الإبداع والتفكير والمشاركة.
لكن ربما يبقى التأثير الأعمق للفنون في ذلك الجانب غير المرئي؛ في قدرتها على بناء الإنسان من الداخل. فالمجتمعات التي تمتلك مساحات للحوار والتعبير والإبداع، تصبح أكثر قدرة على التعايش وتقبل الاختلاف، وأكثر مقاومة للقسوة والعنف والعزلة. الفن لا يغيّر العالم بطريقة سريعة أو مباشرة، لكنه يغيّر الإنسان، والإنسان كان دائمًا نقطة البداية في كل مشروع حضاري حقيقي.
وربما لهذا تظل الفنون واحدة من أهم الاستثمارات طويلة المدى التي يمكن أن تقدمها أي أمة لنفسها؛ لأنها لا تبني فقط صورة ثقافية جميلة، بل تبني مجتمعًا أكثر وعيًا، وأكثر إنسانية، وأكثر قدرة على الحياة.

—-……

بسمة فؤاد
رئيس مؤسسة Independent Organization International (IOI)
مؤسسة مجتمع مدني مصرية متخصصة في الصناعات الإبداعية والعمل التنموي والثقافي

 

زر الذهاب إلى الأعلى