مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: الإعلام الرقمي وتشكيل الوعي

مقالات للرأي

الإعلام في القرن الحادي والعشرين أحد أهم العناصر الفاعلة في تشكيل القرار السياسي وصناعة الرأي العام والتأثير في توجهات المجتمعات والحكومات .
ومع الثورة الرقمية المتسارعة، أصبحت العلاقة بين الإعلام والسلطة السياسية علاقة مركبة تتجاوز حدود الرقابة التقليدية أو التوجيه المباشر، لتدخل في نطاق التأثير النفسي والثقافي والاقتصادي وحتى الأمني.
في الماضي كانت الحكومات تعتمد على الإعلام الرسمي والصحف التقليدية والقنوات التلفزيونية بوصفها أدوات لتوصيل رسائلها السياسية إلى الجماهير وهذا اقرب مايكون للدعاية منه للإعلام !
أما اليوم فقد تغير المشهد بالكامل بفعل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية التي منحت الأفراد والمؤسسات قدرة هائلة على التأثير وتطوير صناعة المحتوى الأمر الذي جعل الإعلام لاعباً رئيسياً في صنع القرار سواء في الأنظمة الديمقراطية أو الشمولية على حد سواء.
ومن المفترض في النظام السياسي ان يمثل الإعلام سلطة رقابية موازية للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ولذلك أطلق عليه مصطلح “السلطة الرابعة” حيث يراقب أداء الحكومات، ويكشف الفساد ويؤثر في اتجاهات الناخبين وقد يساهم بصورة مباشرة في إسقاط حكومات أو صعود أخرى عبر تشكيل المزاج الشعبي
وتؤكد تجارب الانتخابات الأمريكية والأوروبية الحديثة أن الحملات الإعلامية خاصة الرقمية منه باتت تمتلك قدرة استثنائية على إعادة تشكيل أولويات الناخبين والتأثير في قراراتهم.
وقد يأخذ الإعلام منحى آخر في بعض المجتمعات عندما يتحول إلى أداة تعبئة وتوجيه جماهيري، حيث يستخدم لترسيخ توجهات بعينها ويدافع عن أوضاع قائمة !
ومع ذلك اوجد التحول الرقمي مساحة يصعب السيطرة عليها بالكامل وباتت الحكومات تواجه تحدياً حقيقياً في احتواء تدفق المعلومات والصور والرسائل القادمة من خارج الأطر الرسمية !
لقد أصبح الإعلام الحديث قادراً على الترويج لسياسات معينة أو التحذير منها عبر صناعة السردية الإعلامية التي تحدد كيف يرى الجمهور القضايا والأحداث.
إن الحروب الحديثة مثلا لم تعد تدار بالسلاح فقط بل بالكاميرا والخبر العاجل ومن خلال المنصة الرقمية أيضاً!
ويمكن للإعلام أن يصنع بطلاً سياسياً أو يحوله إلى خصم للرأي العام خلال وقت قصير كما يستطيع أن يضخم أزمة أو يهمشها وفقاً لطبيعة الرسالة الإعلامية ومصالح الجهات المؤثرة.
وتبرز هنا خطورة “صناعة الصورة الذهنية”، وهي إحدى أخطر وظائف الإعلام المعاصر. لأن الصورة التي تتكون لدى الشعوب عن مجتمع أو دولة أو ثقافة له معينة لا تتشكل غالباً عبر الاحتكاك المباشر، بل من خلال ما تبثه وسائل الإعلام و المنصات الرقمية من اخبار وحوارات وأعمال درامية ولذلك لعبت الميديا الغربية لعقود طويلة دوراً محورياً في تشكيل صورة نمطية عن العالم العربي والإسلامي، كما استخدمت بعض القوى الدولية الإعلام لتقديم نفسها بوصفها حامية للديمقراطية وحقوق الإنسان حتى وإن كانت ممارساتها الواقعية تناقض ذلك.
وفي المقابل، تستطيع الميديا أيضاً أن تقوم بدور إيجابي وحضاري في التقريب بين الشعوب وتعزيز الحوار الثقافي واكتشاف الطاقات الإبداعية. الإعلام ليس مجرد أداة سياسية فقط بل منصة اجتماعية وثقافية واقتصادية قادرة على اكتشاف المبدعين في مجالات الأدب والفن والعلم والرياضة والتكنولوجيا.
وقد أتاحت وسائل الإعلام الجديدة فرصاً غير مسبوقة للمواهب الشابة للوصول إلى الجمهور دون الحاجة إلى المؤسسات التقليدية التي كانت تحتكر المشهد الإعلامي .
غير أن التحدي الحقيقي يكمن في التمييز بين “الإعلام التنموي” و”التوجيه الدعائي”. الإعلام التنموي هو ذلك الإعلام الذي يهدف إلى رفع وعي المجتمع، وتعزيز قيم المعرفة والعمل والإنتاج وتسليط الضوء على قضايا تنمية الموارد وتحسين خدمات التعليم والصحة وتشجيع الابتكار، مع احترام عقل المتلقي وحقه في المعرفة !.
أما التوجيه الدعائي، هو رسائل تسعى إلى التلاعب بالعواطف وتزييف الوعي وتقديم المعلومات بصورة انتقائية لخدمة أهداف سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية محددة.
وفي مرحلة التحول الرقمي، بات هذا الفارق أكثر وضوحاً وخطورة لأن التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والخوارزميات الرقمية أصبحت قادرة على توجيه المحتوى وفقاً لاهتمامات المستخدمين ما يؤدي إلى انتشار ظاهرة “الفقاعات المعلوماتية” التي تجعل الأفراد محاصرين بوجهة نظر واحدة دون التعرض للرأي الآخر !
كما ساهمت سرعة تداول المعلومات في انتشار الشائعات والأخبار المضللة بشكل غير مسبوق، الأمر الذي فرض تحديات كبيرة على مصداقية الإعلام ومستقبل المهنية الصحفية.
إن مستقبل الإعلام في القرن الحادي والعشرين لن يتحدد فقط بامتلاك التكنولوجيا بل بمدى الالتزام بالقيم المهنية والأخلاقية والقدرة على بناء وعي حقيقي لدى المجتمعات. إن الإعلام الذي يساهم في التنمية وتعزيز التفكير النقدي وصناعة الإنسان الواعي سيظل أكثر تأثيراً واستدامة من الإعلام الذي يقوم على التضليل أو التحريض أو صناعة الوهم.
وهكذا في عالم تتداخل فيه السياسة بالتكنولوجيا والاقتصاد بالاتصال، أصبح الإعلام قوة ناعمة قد تفوق في تأثيرها أحياناً القوة الغاشمة !
ولهذا فإن معركة المستقبل لن تكون فقط حول من يمتلك الموارد، بل حول من يمتلك القدرة على التأثير في العقول وصناعة السرديات الأكثر إقناعاً.

زر الذهاب إلى الأعلى