د.علي المبروك أبوقرين يكتب : الإنسان والصحة قراءة فلسفية في تشكيل النظم الصحية وتباينها
مقالات للرأي

منذ أن وعى الإنسان هشاشته أمام الألم ووقف عاجزًا أمام المرض، بدأت أولى ملامح العلاقة بينه وبين الصحة ليس بوصفها علمًا إنما كحاجة وجودية عميقة. فالمرض لم يكن مجرد خلل جسدي، بل تجربة إنسانية تهز المعنى، وتدفع الإنسان للبحث عن تفسير، وعن شفاء وعن سيطرة على المجهول. ومن هنا وُلدت أولى أشكال الطب ممتزجة بالسحر والدين والتجربة في محاولة لفهم الجسد واستعادة توازنه. ومع تعاقب العصور، تحولت هذه العلاقة من طقوس فردية إلى معرفة متراكمة، ثم إلى علم منظم، ثم إلى مؤسسات، حتى بلغت في العصر الحديث مرحلة النظم الصحية، حيث لم يعد المرض شأنًا فرديًا بل قضية عامة تتعلق بالدولة والمجتمع والاقتصاد والسياسة. لقد انتقل الإنسان من الطب كفعل إنقاذ إلى الصحة كنظام إدارة للحياة. ورغم أن الإنسان واحد في بنيته البيولوجية، وأن الأمراض في جوهرها متشابهة، وأن العصور الحديثة قد وحدت المعرفة الطبية والتكنولوجيا بشكل غير مسبوق، فإن النظم الصحية بقيت شديدة التباين ومتعارضة أحيانًا. وهذا التباين لا يعكس اختلاف المرض، بل اختلاف الإنسان في تنظيم ذاته وفي تصوراته للعدالة، وفي توزيع السلطة والموارد. لقد ظهرت محاولات لتوحيد الرؤية الصحية عالميًا، وكان من أبرزها إنشاء منظمة الصحة العالمية، التي سعت إلى وضع معايير وإستراتيجيات مشتركة، وتعزيز مفهوم الصحة كحق إنساني شامل. غير أن هذه المظلة العالمية لم تُلغي الفوارق بل كشفتها، لأن تطبيق المبادئ يصطدم دائمًا بخصوصيات الدول، من حيث السياسة والاقتصاد والثقافة والبنية المؤسسية. وفي مفارقة لافتة كلما تقدمت العلوم الطبية والتكنولوجيا الصحية ازداد تعقيد المشهد الصحي عالميًا. فالتقدم لم يؤدي إلى تقليص المرض بقدر ما أعاد تشكيله حيث ظهرت أمراض جديدة، وتوسعت الأمراض المزمنة، وتداخلت العوامل البيئية والسلوكية والاقتصادية، حتى أصبح المرض ظاهرة مركبة تتجاوز حدود الطب التقليدي. وهنا يظهر التحدي الأكبر أن المعرفة الطبية أصبحت عالمية، لكن القدرة على تحويلها إلى عدالة صحية ليست كذلك. فالنظم الصحية اليوم تواجه أزمات متشابكة، أبرزها التمويل حيث تتزايد التكاليف بشكل يفوق قدرة الدول، خاصة مع شيخوخة السكان، وارتفاع أسعار التكنولوجيا الطبية، وتوسع التوقعات المجتمعية. كما تعاني من اختلالات في القوى العاملة الصحية، بين نقص في بعض التخصصات، وتكدس غير منتج في أخرى، وهجرة الكفاءات من الدول الفقيرة إلى الغنية، مما يعمق الفجوة العالمية. أما الإنفاق الصحي فقد أصبح ساحة صراع بين منطقين، منطق السوق الذي يسعى للكفاءة والربحية، ومنطق الدولة الذي يسعى للعدالة والحماية، وغالبًا ما تفشل النظم في تحقيق التوازن بينهما، فتقع إما في فخ التفاوت، أو في فخ البيروقراطية والضعف. ورغم أن التهديدات الصحية أصبحت عالمية كما رأينا في الأوبئة، والتغيرات المناخية والكوارث فإن الاستجابات لا تزال محلية ومجزأة، مما يكشف عن فجوة بين عالمية الخطر ووطنية القرار. إن السؤال اليوم لم يعد كيف نعالج المرض؟ إنما كيف نبني نظامًا صحيًا عادلًا في عالم غير عادل؟ وللإجابة لا بد من تجاوز فكرة النموذج الواحد، والانتقال إلى مفهوم التوازن الذكي حيث تُبنى النظم الصحية على مبادئ مشتركة، لكنها تُصاغ بمرونة وفق السياق المحلي. ويمكن تلخيص هذه المبادئ في أربع ركائز كبرى
– أولًا: اعتبار الصحة حقًا غير قابل للتجزئة، وليس امتيازًا اقتصاديًا.
– ثانيًا: تحقيق تمويل مستدام وعادل، يخفف العبء عن الأفراد، ويضمن كفاءة الاستخدام.
– ثالثًا: الاستثمار في الإنسان قبل المرض، عبر الوقاية والتعليم والصحة العامة.
– رابعًا: بناء ثقة مجتمعية حقيقية، لأن أي نظام صحي بلا ثقة هو نظام هش مهما بلغت موارده.
كما أن تضييق الفجوات الصحية بين الدول وداخلها يتطلب إعادة توزيع المعرفة والموارد، وتعزيز التعاون الدولي، لا بوصفه مساعدة إنما كشراكة قائمة على المصالح الإنسانية المشتركة. وفي هذا السياق يمكن القول إن مستقبل النظم الصحية لن يُحسم في المستشفيات فقط إنما في السياسات والتعليم والاقتصاد والبيئة وفي كيفية فهم الإنسان لذاته وللآخر. إن الصحة في نهاية المطاف ليست مجرد غياب المرض، بل حضور العدالة.








