الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: سردية جيوسياسية .. سيناء بوابة الأمن القومي المصري عبر التاريخ!
مقالات للرأي

سردية جيوسياسية .. سيناء بوابة الأمن القومي المصري عبر التاريخ!
تُعد شبه جزيرة سيناء واحدة من أهم المناطق الجيوسياسية في تاريخ الدولة المصرية، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط قارتي آسيا وأفريقيا، بل لأنها مثلت عبر آلاف السنين بوابة العبور الرئيسية إلى قلب مصر. ومن هنا نشأت قاعدة استراتيجية راسخة مفادها: “يتحقق الأمن القومي المصري بتأمين جهة الشرق”، إذ إن أي قوة تسيطر على سيناء تصبح قادرة على تهديد العمق المصري بصورة مباشرة.
التاريخ المصري القديم يقدم شواهد واضحة على هذه الحقيقة. فمعظم الغزوات الكبرى التي تعرضت لها مصر جاءت من الشرق عبر سيناء، بدءاً من الهكسوس الذين تمكنوا من احتلال مصر القديمة لفترة من الزمن، مروراً بالحملات الآشورية والفارسية، ثم الغزو الصليبي والعثماني، وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيلي لسيناء بعد حرب يونيو 1967. ولهذا أدرك المصريون مبكراً أن حماية الشرق ليست مجرد مهمة عسكرية، بل قضية وجود وبقاء للدولة نفسها.
تكمن خطورة سيناء في أنها تمثل “خط الدفاع الأول” عن وادي النيل والدلتا، حيث تقترب المسافات بين الحدود الشرقية والمراكز الحيوية المصرية. لذلك فإن فقدان السيطرة الأمنية أو السياسية على سيناء يعني فتح الطريق أمام تهديد مباشر للعاصمة ومؤسسات الدولة. ومن هنا ارتبطت العقيدة العسكرية المصرية دائماً بضرورة الحفاظ على سيناء مؤمنة ومستقرة وقوية عمرانياً وسكانياً.
بعد انتصار أكتوبر 1973 استعادت مصر ثقتها الاستراتيجية، وأثبتت أن استرداد سيناء ليس مجرد استعادة لأرض محتلة، بل استعادة لمعادلة الأمن القومي بأكملها. فالحرب لم تكن معركة حدود، وإنما معركة لإعادة التوازن الاستراتيجي ومنع بقاء تهديد دائم على الجبهة الشرقية!
وفي العصر الحديث لم تعد التهديدات مقتصرة على الجيوش التقليدية فقط، بل ظهرت تحديات جديدة مثل الإرهاب، ومحاولات تفكيك الدول، والحروب غير النظامية، وتهريب السلاح، ومحاولات خلق فراغ أمني في المناطق الحدودية. لذلك اتجهت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة إلى تنفيذ مشروعات تنموية كبرى داخل سيناء، تشمل الطرق والأنفاق والمدن الجديدة والموانئ والمناطق الصناعية، انطلاقاً من فهم استراتيجي بأن التنمية جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي
إن تأمين سيناء لا يتحقق فقط بالدبابات والطائرات، بل أيضاً ببناء الإنسان، وتثبيت السكان، وتحويل الأرض إلى مركز للحياة والإنتاج. فالدول لا تحمي حدودها بالسلاح وحده، وإنما بقدرتها على دمج الجغرافيا في مشروعها الوطني.
ولهذا ستظل سيناء عنواناً رئيسياً في معادلة الأمن القومي المصري، وستبقى الحقيقة الجيوسياسية ثابتة عبر الزمن: من يسيطر على سيناء يمتلك القدرة على تهديد مصر، ومن يؤمن سيناء يؤمن الدولة المصرية كلها.







