أ.د.أيمن الأعصر يكتب عن : التجريب في المسرح السواحيلي

مرَّ المسرح السواحيلي في شرق أفريقيا كغيره من المسارح بِعِدَّة مراحل ساهمت في تطويره بما يتناسب والحركة المسرحية في العصر الحديث . بدأت بالشكل التقليدي المتأثر بالبيئة الأفريقية وما يدور فيها من عادات وتقاليد وطقوس أفريقية يمكن اعتبارها احدى أشكال المسرح البدائي ، ثم تطور الحال إلى محاكاة المسرح الغربي إبان الحكم الإستعماري من خلال مسرحيات مشاهير المسرح العالمي كشكسبير ومولير وغيرهما ، إلى أن ظهر جيل جديد من المواطنين الذين تلقوا تعليمهم على يد أساتذة أوربيين سواء أكان ذلك في أوطانهم في شرق أفريقيا أم في أوربا من خلال البعثات التعليمية . استطاع هذا الجيل من شباب الكُتَّاب المتخصصين في مجال المسرح أنْ يُحاكي المسرح الغربي في العديد من جوانبه ، ويضيف إليه الطابع البيئيّ الذي يميز مسرحياتهم بطابعها الأفريقيّ من خلال توظيفهم للتراث في ثنايا حوارهم المسرحيّ ، وبذلك تمكنوا من الإستفادة من العناصر البيئية في أعمالهم المسرحية.
مِنْ بين هؤلاء الكتَّاب الكاتب المسرحي التنزاني إبراهيم حسين الذي تُشير كتاباته المسرحية إلى الإستفادة من خبراته الأكاديمية (بجانب موهبته) التي اكتسبها من دراسته في أوربا على يد أساتذة ألمان متخصصين في مجال المسرح حيث تأثر كثيرا بالكاتب المسرحي العالمي بيرتولد بريخت في العديد من مسرحياته ، ومع ذلك لم يغفل إبراهيم حسين عن الطابع الأفريقي البيئي الذي يحيط به في شرق أفريقيا ، فاستفاد من الأسطورة الشعبية التي كان يحكيها الرواة من كبار السن من الأجداد والجدات في شكل تقليدي مساء للمشاركة في الوعي المجتمعي لأفراد المجتمع السواحيلي رجالا ونساء وأطفالا ، وغالبية أفراد القبيلة يجلسون أمامهم يستمعون إليهم بشغف ، يبدو ذلك جلياً في مسرحيتي ” ديك القرية ودرع الأجداد ” اللتين تمَّ نشرهما في كتاب واحد عام 1976 بتنزانيا وهما من المسرحيات التي يمكن أن يطلق عليها ” مسرح الحكاية ” ، وذلك لأنه كتبها في شكل حكاية منظومة شعرا في اطار حواري بين الرَّاوية والجمهور ، ماذجاً في ذلك بين الأدب الشفاهي والأدب المكتوب.
واللجوء إلى استحداث شكل جديد من أشكال المسرح يُعدُّ نوعاً من التجريب المسرحي الذي انتشر منذ فترة بين كتاب المسرح العالميّ ، وفي ذلك اشارة إلى أنَّ المسرح السواحيلي قد تأثر بالاتجاهات الدرامية الحديثة في أوربا والتي تتمثل في المذاهب المسرحية المعاصرة ، مع المحافظة على أسس العمل المسرحيّ التي أقرها أرسطو في كتابه ” فن الشعر ” من خلال وحدة الحدث والزمان والمكان.
* المسرح السواحيلي وحركة التجريب :
فالتجريب في أبسط معانيه هو العبور خارج الحدود المألوفة التي تعارف عليها الناس ، ومع أن هذه الحدود أو الأسس قد تكون في الغالب ضرورية لكي نُفَكِرَ فيما قد لا يخطر على بال ، أو ما لا يُصدقُه عقل ، وأن نبحثَ في عالم الخيال ونجسد ما يدور فيه ، ليس فقط فيما يحدث الآن بل أيضا مما سوف يحدث في المستقبل . وهذا يُشير إلى أن التجريب هو استحداث طرق جديدة إبداعية لأشكال المسرح , ومن ثم فالهدف من التجريب هو توسيع الآفاق واعمال العقل لدى المشاهدين من أجل العبور إلى الأفضل والمساهمة في خَلْقْ حياة أفضل للشعوب تتسم بالعدل والمساواة ومحاربة الظلم و الفساد.
والتجريب في المسرح السواحيلي في هاتين المسرحيتين يتمثل في الإستفادة من الأشكال الأدبية التراثية المرتبطة بالبيئة السواحيلية والأدب الشفاهي في شرق أفريقيا ، كما هو الحال في الحكاية الشعبية التي ترتكز على الراوي والحاضرين ، وكذلك شخصيات الحكاية بأسمائهم التي تشير إلى ما هو كامن في أذهان الحاضرين من قصص يغلب عليها الخيال الممزوج بالرمز الذي يشير إلى الواقع . والكاتب بذلك النهج استطاع أن يوظف تلك القصص في حواره المسرحي بشكل جيد مرتديا ثوب الحكاية الشعبية لينظر من خلاله إلى الحاضر الذي يعيشه أفراد المجتمع ، وهو بذلك يحاول أن ينظر إلى الحاضر من خلال الماضي بشكل نقدي رمزي للهروب من المساءلة أمام الجهات الرقابية التي تقف حائلاً في بعض الأوقات أمام الاصلاح أو النقد الموجه إلى المسؤلين . والكاتب المسرحي عندما يلجأ إلى استخدام الراوي في عمله المسرحي ليتحدث نيابة عن الشعب ، وهو في ذات الوقت يخاطب أفراد المجتمع من الكبار والصغار وإن كان غالبيتهم من الصغار ، يتمكن من إبعاد أيّ مساءلة عنه ويُلقي بتبعاتها على الراوي الذي يرمز إلى الماضي . وفي مخاطبة الراوي للصغار من المواطنين اشارة إلى إيقاظ الوعي وتنشيط الذاكرة عند المواطنين لما قيل وحدث في الماضي ومايُقال ويحدث في الحاضر حتى يتمكنوا في المستقبل من مواجهة الفساد بشتى أنواعه وأنماطه وهذا يعد مشاركة مجتمعية إيجابية من الكاتب.
والتجريب بذلك يمكن اعتباره تعبير خلاّق مبدع مُصاغٌ بشكل أدبيّ يُعبِّر عن تجليات التحولات الكبرى في المجتمع للبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، التي تُفرزُ بدورها بنية أخرى في شكل ثقافيّ تتضمن الآداب والفنون والمسرح ، والتجريب بذلك يأتي تعبيراً عن نِداءات الشعب الذي يتوقُ للتغيير والتجديد من أجل مستقبل أفضل.
ومن ثم يمكن القول إن مسرحيتي ” ديك القرية ودرع الأجداد ” هما مزيج بين الأدب الشفاهي والأدب المكتوب وذلك لانتهاج الكاتب إبراهيم حسين في كتابتهما النهج الروائي المنظوم المتضمن للحوار، حيث تقوم الراوية بتجسيد الحوار بالكلمة والحركة مع مشاركة الجمهور لها في الحوار وهذا النوع يمكن أن يطلق عليه “المسرحية الروائية” وذلك لأنها مسرحية بطلها بطل قومي يضحي بنفسه من أجل استقرار وطنه، وتعتمد في حوارها على المشاركة بين الراوية والجمهور.
وإبراهيم حسين من خلال هاتين المسرحيتين وابتعاده عن القالب المسرحي التقليدي المتعارف عليه بين كتاب المسرح المعاصرين يعد نوعا من التجريب المسرحي المنبثق من البيئة الإفريقية، وذلك من خلال ربطه في ما بين الأدب الشفهي المتمثل في الحكاية الشعبية وبين الأدب المسرحي المكتوب الذي يتضمن الحوار بين شخصيات المسرحية، وإن كان يغلب على هاتين المسرحيتين أسلوب الحكاية من الراوي إلا أنه أسلوب لا يخلو من الحوار، فالجمهور يشارك الراوي في حواره، وبذلك يمكن اعتبار ” المسرحية الروائية” قالبا دراميا تجريبيا وسطا بين النوعين الأدبيين ” الحكاية” و “المسرحية”.
تدور أحداث مسرحية “ديك القرية” Jogoo Kijijini حول الطلائع الأولى للاستعمار التي أتت إلى مدينة دار السلام بتنزانيا. وذلك من خلال قصة أسطورية ترويها سيدة عجوز على جمهور من أهل القرية. وقد تناول إبراهيم حسين هذه المسرحية في قالب حواري وسط بين الحاية الشعبية والمسرحية و كأنه بذلك يحاول المزج بين أصالة الماضي في الحكاية ومسايرة التطور العصري في الفن المسرحي في إطار قالب مسرحي تجريبي.
وشخصياته في هذه المسرحية عبارة عن شخصيات بشرية تارة وأعضاء من جسد الإنسان تارة أخرى، كالقدم والأذن. والذي يميز شخصيات إبراهيم حسين هو أن الشخصيات البشرية مجسدة في صورة المروي عنها من خلال شخصية الراوية باستثناء الجمهور من الحاضرين الذين يتحدثون عن أنفسهم مباشرة بصيغة المتكلم، بينما نجد أن شخصيات القدم والأذن تتحاور مع بعضها بصيغة المتكلم. والكاتب بذلك قد يشير إلى أن الشخصيات المروي عنها تقل في الأهمية عن أطراف الحوار من الشخصيات الأخرى التي تتحدث عن نفسها، فالقدم قد يرمز بها الكاتب إلى المواطن المقهور والمغلوب على أمره، بينما قد يرمز بالأذن الصماء – من جهة حوار القدم معها – بالمستعمر الذي لطالما أهمل مطالب المواطنين الذين استعمرهم بدهائه وبكرمهم في استقبالهم له منذ البداية.
يضاف إلى هذه الشخصيات شخصية “الديك” الذي قد يرمز به الكاتب إلى إيقاظ الهمة والنشاط والعودة إلى ما كان عليه الآباء والأجداد قبل مجيء المستعمر عندما كانوا يستيقظون على صياح الديك كل يوم قبل شروق الشمس للذهاب إلى أعمالهم اليومية في تعمير وزراعة الأرض لكي تجود عليهم بالخير.
يتضح ذلك أيضا من عنوان المسرحية “ديك القرية” الذي يرمز إلى ما كانت تتسم به القرية من هدوء ونشاط لفلاحيها وهم يستيقظون مبكرا كل يوم على صوت الديك بادئين عملهم الزراعي بنشاط. والقرية بها إشارة إلى الوطن من جهة و إلى الكرم الذي يتصف به أهالي القرى وحسن الخلق والترابط الأسري من جهة أخرى. وهو ما يفسر لنا الطرق التي انتهجها الاستعمار عند دخوله إلى الدول الإفريقية وذلك في صورة قوافل تبشيرية تساعد الفقراء من هذه الدول وإكرام المواطنين لهم عند استقبالهم كضيوف وليس كمستعمرين.
يبدأ الكاتب حوار مسرحيته على لسان سيدة عجوز بأسلوب الحكاية الشعبية الذي يقابله في العربية “كان يا ما كان” كان فيه شجرة ضخمة من أشجار النبق Mkunazi كانت تثمر كل عام ثمارا كثيرة لا مثيل لها في النضج والمذاق الطيب وكان القوم يطلقون عليها شجرة الرحمن Mkunazi Rahmani وذلك لأنها كانت تدخل على كل من يأكلها البهجة والسعادة وهنا قد يشير الكاتب في حواره إلى ماكان عليه الحال من خير عميم يعم الأرض ومَنْ عليها ، وإلى ما يتمتع به المواطنين من صفات كريمة تتسم بالمحبة والرحمة والإحسان وذلك من خلال اشارته إلى شجرة النبق Mkunazi Rahmani التي وصف مَنْ يتناول ثمارها بهذه الصفات الحميدة . وثمار شجرة النبق من الثمار المحببة للجميع صغارا كانوا أم كبارا .وفي ذلك اشارة أخرى إلى خصوبة الأرض الأفريقية لولا تدخُّلْ بني الإنسان من المستعمرين فيها لأغراضهم المادية .
وتستمر الراوية في حوارها مع الحاضرين وهي تُخبرهم أنَّ هذه الشجرة الطيبة بدأت تذبل وتجف إلى أن تمَّ قطعها على يد الوافدين المستعمرين وهنا يُشير الحوار إلى مرارة وطأة المستعمر بجميع أشكاله وألوانه . وبمرور الوقت والأعوام تلو الأعوام يزداد السكان وينتشر الطمع المادي بين الناس مما يُؤدي إلى الصراعات الأهلية حول الأمور المادية ، مما يُعطي الفرصة للمستعمر الوافد أن يستغل الأرض الطيبة لأغراضه ومصالح بلده دون مراعاة لمصالح أهل البلد الأصليين . ومع انتشار هذه الآفات بين البشر واستغلال المستعمر لها لمصالحه تُصاب الشجرة الطيبة – رمز المحبة والرحمة والاحسان – هي الأخرى بالآفات القاتلة وذلك بسبب ما أصاب الأرض من آفات ضرَّتْ بها لِتَدخُّل الإنسان فيها بعلمه المحدود مما أدى إلى إختلال التوازن الطبيعي للأرض الخصبة . ومع مرور الوقت تزداد الأرض تصحراً، وإن شئت فقلْ تتفاقم المشكلات بين الناس بسبب اقتطاع الأشجار الطيبة ، ويزداد السوء نتيجةً لِظلم الإنسان لأخيه الإنسان . كما يمكن أن يكون في ذلك اشارة إلى ما كان يفعله المستعمر من قطعٍ للأشجار الضخمة ليزرع مكانها محاصيل أخرى تخدم صناعاته هو دون اهتمام بمصلحة أصحاب الأرض أنفسهم . ولا يخفى على أحد المجاعات التي لحقت بالبلاد الإفريقية ومن بينهم التنزانيين من جراء استخدام المستعمر للأرض لأغراضه الاقتصادية .
ونظرا لطول المدة التي قضاها المستعمر في القرية أو لنقل تنزانيا أو أفريقيا بشكل عام ، فقد استطاع أن يبسط يده على كل مكان وكثر أعوانه في كل قرية ، مما تسبب في إلغاء وظيفة ” الديك” في ايقاظ أهل القرية كل صباح للذهاب إلى أعمالهم . وذلك ربما يكون بسبب الضوضاء التي صاحبت مجئ المستعمر من خلال انتشار الملاهي الليلية والعادات السيئة التي لم يعهدها أهل القرية في الماضي ، ومع انتشار الضوضاء ليلا ونهارا اختلت الساعة البيلوجية للديك التي فُطر عليها فوجد نفسه لايستطيع الصياح كالعادة ، وحُبِسَ صوته بما يُشير إلى القهر والظلم الذي فرضه المستعمر على المواطنين . وحوار المسرحية يُشير في نهايتها إلى عودة الديك لصياحه مرة ثانية ، ولذلك فقد يُشير الكاتب بالديك إلى جيل الشباب من المواطنين الذين يُشكلون أمل الأمة في النهوض بها . كما قد يُشير بالديك أيضا إلى التطلع إلى عهد جديد يتميز بالوعي والتطلع إلى حياة أفضل والاعتماد على النفس والحفاظ على الخيرات التي وهبها الله لهم من الطبيعة .
وبعد ذلك يُجسد الكاتب شخصية الرَّجُلْ الوافد إلى القرية في اشارة منه إلى المستعمر ،وتذمُّرْ قدمه التي يسير عليها وهو مُتَّجهٌ إلى القرية لحبسها داخل الحذاء وعدم رؤيةها لضوء الشمس ، في اشارة إلى المواطن ، وهو مايشبر إلى تطلعها إلى الحرية . وبذلك فالقدم يُشار بها إلى المواطن الأفريقي المقهور والمغلوب على أمره ، وهو مايُشير إلى أنّ المواطن الأفريقيّ كان مغلوباً على أمره حبيساً لأفكار غيره من المستعمرين المُشار إليهم بالأذن . ولذلك فالقدم في حوار المسرحية عندما تُخاطب الأُذن لاتُصغي إليها الأذن ،في اشارة إلى ماكان يفعله المستعمر من اهمال لكل مطالب المواطنين وكأنه قد أُصيب بالصم وخاصة عندما يكون الحديث مُوجهاً له من المواطن ( القدم ) .
يُشير حوار المسرحية إلى الصراع الدّائم بين أعضاء الجسد الواحد حول الظلم الواقع على أحدهما وتميُز الآخر ، وذلك من خلال حبس أحدهما ( القدم ) في الظلام داخل الحذاء لايرى ضوء الشمس ، بينما الآخر ( الأذن ) ينعم بالحرية وضوء الشمس والهواء النقي طوال الوقت . وفي ذلك اشارة إلى الانسان سواء أكان حاكماً أم محكوماً . (فالقدم) في هذا الحوار قد ترمز إلى المحكوم ( الأفريقي ) ، بينما قد ترمز ( الأُذُن ) إلى الحاكم ( المستعمر )، يتضح ذلك من موقعها المرتفع الذي يُشير إلى الإستعلاء ، بينما تقبع القدم بأسفل محبوسة داخل الحذاء لاترى الشمس مما يشير إلى القهر والظلم الواقع على المواطنين.
وبعد ذلك تستمر الراوية في حوارها لتقص علينا ما حدث للقرية بعد وصول الوافدين إليها كما هو الحال في حوار المسرحية الذي يُجسد البلاء الذي ألمَّ بالقرية وأهلها بسبب قهر المستعمر للمواطنين وتسخيرهم بالقوة الجبرية لتغيير معالم القرية ، وذلك من خلال قطع الأشجار وزراعة المحاصيل التي يحتاجونها في بلادهم لتخدم أهدافهم الاقتصادية . وبذلك فالمواطن يُشارك رغماً عنه في تخريب بلده ومجاعة أسرته وزيادة معاناته . ولم يقف الحال عند هذا الحد من المعاناه ، فنجد الراوية تستمر في سردها للحكاية لتوضح للحاضرين مدى ما وصل إليه ذلك الوافد ( المستعمر ) من سيطرة على مُجريات الأمور.
يُلاحظ من حوار المسرحية أن المستعمر بعد أن أعدَّ كل شئ بدأ يترك القرية تحت سيطرة أعوانه الموالين له من المواطنين ، واختار لنفسه الجبال لتكون مقره الأصلي لخصوبة أرضها ونقاء هوائها, فسيطروا بذلك على كل شئ سواء أكان فى الأرض الخصبة أم بالقرب من الأنهار أم البحار أم الجبال. والحوار يُشير إلى أنه على الرغم من رحيله فإنه قد ترك آثاره وأعوانه فى كل مكان مرَّ به.
وبسبب المعاملة السيئة التي كان يُلاقيها أهل القرية من المستعمر الوافد. ذلك الوافد الذى لم يستطع فهم عادات وتقاليد المواطنين من أهل القرية. وهنا نجد أهل القرية بدأوا يفكرون في عمل كفارة كعادة الأفارقة عندما يحل بهم بلاء, وذلك من أجل الإصلاح والنهوض بالقرية. وهذه الكفارة تتطلب تضحية أحد الشباب ليحمل على عاتقه ذنب ما اقترفه أهالى القرية بتسامحهم وتساهلهم مع الوافدين, وذلك من أجل حياة أفضل للجميع, وهنا يتقدم شاب مخلص لأداء هذه المهمة وهكذا يُلبي الشاب نِداء قومه عندما سمع الحقيقة مُضحياً بنفسه من أجل الوطن. وفي الحوار اشارة أخرى إلى أن هذا الشاب هو نفسه ذلك الشاب الذي قاد الرجل الوافد إلى طريق القرية, ولذلك فإن تضحيته من أجل قومه دَيناً عليه بسبب مساعدته غير المقصودة للوافد المستعمر فى البداية, ولذلك نجده يشعر بالذنب الذى ارتكبه فى حق أهالى قريته ووطنه عندما جاء المستعمر فى قوافله الأولى. ولذلك نجد الشاب يتقدم بروح المواطن المخلص لوطنه دون تردد أو تراجع. وهنا يبدأ المرددين من الحاضرين بالإنشاد أمام الراوية.
وهكذا تصل الراوية بحكايتها إلى نهايتها عندما يتقدم الشاب ليضحى بنفسه من أجل الوطن. وهنا يأتي دور المرددين من الحاضرين وهم ينظرون إليه نظرة يملأها الشفقة والتعاطف مع شجاعة هذا الشاب الذي يُضحى بنفسه مثل البقرة التى أمر الله تعالى بنى اسرائيل أن يذبحوها لإظهار الحق حول ما كانوا يختلفون حوله. وكأن الكاتب بذلك يشير إلى أن البقرة كانت سبباً في معرفة ما كان غامضاً على بنى اسرائيل. وبالتالي فإن الشاب سيكون هو الأخر سبباً فى بزوغ عهد جديد مملوء بالنور والمعرفة بعيداً عن الظلم والقهر الإستعمارى. وفى ذلك دعوة أخرى للمواطنين للإجتهاد والتضحية من أجل مستقبل الأجيال القادمة, ولا سبيل لذلك إلا بتوحيد الكلمة بين المواطنين والعودة إلى التمسك بالقيم والمبادئ وترك المفاسد التى تضر بالشعب والوطن.
ومسرحية “درع الأجداد” تعدَُ إمتدادا طبيعىّا لمسرحية “ديك القرية”, وذلك فى محاولة من الكاتب لإستكمال المراحل التى مرت بها البلاد منذ مجئ الوافدين من المستعمرين, وحتى الإستقلال وتسليم السلطة لأبناء البلد من أولئك الذين تعلموا على يد المستعمر كل شئ بما فى ذلك إنتمائهم لسياسته التى كان يمارسها أثناء سيطرته على مجريات الأمور, ولكن الفرق الوحيد فى هذه المرحلة هو أن المستعمر رحل بجسده وترك عقله بجسد أفريقى على يد أعوانه من المواطنين.
كما يُلاحظ أيضاً أن إبراهيم حسين جَسَّدَ كِلا المرحيتين بطريقة واحدة من الناحية الفنية, فنجده فى مسرحية “ديك القرية” يتحدث عن شجرة النبق التى كان يُطلق عليها شجرة الرحمن- التى ترمز إلى الموارد الطبيعية- والتى كانت تُدخل على القلب المحبة والرحمة والإحسان, تلك الشجرة التى كانت تُثمر كل عام الكثير من الثمار بما يكفى ويفيض إلى أن حدث لها ما حدث وجفَّت وندر ثمارها بفعل التدخل الإستعمارى من أجل مصالحه. وفى مسرحية “درع الأجداد” نجد الكاتب يتحدث عن قرية صغيرة يُنجب أهلها الكثير من الأطفال – بما يرمز إلى الموارد البشرية- الذين إذا ما نظر إليهم أى شخص يشعر بالسعادة وتملأ قلبه الرحمة والمحبة, إلى أن حدث لهذه القرية ما حدث وتغيرت الأمور وأصابها الجفاف والمجاعة مثلما حدث من قبل لشجرة الرحمن, وذلك بعد أن ظهر ذلك الثعبان الملعون الذى له سبعين رأساً تنتشر هنا وهناك فى اشارة رمزية إلى أولئك المسؤلين الطالحين الذين ساروا على نهج المستعمر إن لم يكن أشد ضراوة منه.
تدور أحداث مسرحية “درع الأجداد” فى قالب حوارى روائى منظوم بين الراوية والمرددين حيث تبدأ
الراوية حوارها بما يقابله فى العربية بكان يا ما كان كان فيه قرية من قديم الزمان تُدعى بها أطفال يفوقون الوصف فى جمالهم لدرجة أنهم يُدخلون على قلب من يراهم المحبة والإيمان ولكن بمرور السنين وزيادة القوم وتحسن أحوالهم المادية بدأ يتغير الحال من محبة إلى كراهية ومن فرح وسرور إلى حزن وأسى بسبب ما حل بالبلد من بلاء يتمثل فى وجود حية ضخمة لها سبعين رأساً تصيب من يراها بالرعب والذعر كما هو واضح فى حوار المسرحية لحال القرية (تنزانيا) قبل وبعد مجئ الحية (الإستعمار) الضخمة إلى القرية الهادئة. فيجسد لنا ما كانت تنعم به القرية بأطفالها الأبرياء بصفاتهم الجميلة من محبة ومودة تُدخل على من يراهم الراحة والإستقرار هذا من جهة. ومن جهة أخرى أخذ الكاتب يجسد حال القرية بعد وصول الحية بصفاتها البغيضة مما تجلب على من يراها الحزن والرعب وعدم الإستقرار. وذلك بسبب سلبها لأموال المواطنين و إغتصاب الفتيات. وبمقابلة الكاتب بين الخير والشر تتجسد المأساة التى يعيشها أهالى هذه القرية. وفى هذا اشارة إلى حال تنزانيا قبل مجئ المستعمر إليها حيث كان ينعم الأهالى بالهدوء والإستقرار النسبى بحياتهم الفطرية.
وبسبب هذا البلاء الذى جاء مع قدوم الحية (المستعمر) فاض كيل القوم من ممارساته الشريرة ولذلك قرروا فى إجتماعاتهم أنه لا مفر من قتل هذه الحية حتى يعود الأمن و الأمان و الإستقرار مثلما كان من قبل يشير الكاتب من خلال حواره على لسان السيدة العجوز أن تلك الحية ليست ثعباناً عاديا ولكنها حية ضخمة تمتد بجذورها إلى زمن بعيد. وفى ذلك اشارة إلى طول المدة التى قضاها المستعمر يسيطر فيها على مجريات الأمور فى طول تنزانيا وعرضها. وها هى العجوز الحكيم تخبر قومها أن التخلص من هذه الحية يجب أن يكون على يد مواطن تنزانى لم يتعرض لمؤثرات تلك الحية (المستعمر)
كما أدلت العجوز بأوصاف ذلك المواطن إلى أنه يجب أن يكون شاباً قوياً وطنيا حتى يتمكن من مواجهة هذه الحية التى إستفحل أمرها و خطرها على المجتمع بجميع طوائفه. ثم أشارت بعد ذلك إلى أنه يجب على ذلك الشاب أن يتسلح بدرع الأجداد وأن يحمل رمح القبيلة وفى ذلك إشارة إلى إسترضاء الأجداد وذلك عن طريق التمسك بعادات وتقاليد الأجداد ونبذ ما سواها من عادات وافدة على المجتمع لا تتناسب و المجتمع التنزانى. وفى تمسك هذا الشاب بعادات أجداده قوة تمكنه من مواجهة تلك الحية و التغلب عليها.
كما يبدو لنا من الحوار الإشارة الواضحة فى عودة القوم إلى الشيوخ والحكماء للإسترشاد بآرائهم عند مواجهة أى خطر, وها هو الكاتب يرمز لنا بذلك عندما إسترشد القوم برأى السيدة العجوز التى خلا فمها من أسنانها ولكن تجارب السنوات زودتها بحكمة وبصيرة فى معالجة الأمور ولذلك وقف القوم ينصتون إلى نصائح العجوز الحكيمة وأخذوها مأخذ الجد والتنفيذ وهكذا وقف الشاب الوطنى الشجاع أمام أهالى قريته إمتثالاً لرأى السيدة العجوز وهم يذودونه بدرع ورمح أجداده ليبدأ بحثه عن الحية الشريرة وهو متحفذ بشجاعة الأبطال من أجداده يضع نصب عينيه للقضاء على تلك الحية التى أوغلت فى شرها وإساءتها لأهله وذويه رجالاً ونساءً, أطفالاً وشيوخاً. وبعد جُهد جهيد إستطاع الشاب الوطنى أن يعثر على تلك الحية فى الغابة وظل يجابهها بقوة وجسارة إلى أن إنقض عليها كالأسد ورمحه مُصوباً تجاه عينيها فأعماها مما أفقد قوتها. ثم إقترب منها وهو ثائر ثورة عارمة وبشجاعة لا مثيل لها حتى تمكن من فصل عنقها عن جسدها. وها هو الشاب الوطنى بإنتصاره على الحية يؤكد مقولة السيدة العجوز أنه لا خلاص من البلاء إلا بالعودة إلى عادات وتقاليد الأجداد.
وبموت الحية والقضاء عليها إشارة من الكاتب إلى نهاية عهد ظالم ورحيل المستعمر وظهور عهد جديد يملأه الأمل والأمان والإستقرار على يد رجال وطنيين من أمثال الشاب الوطنى الذى تحمل على عاتقه مهمة القضاء على الحية. والحوار التالى يوضح لنا إحتفال القوم بهذا الإنتصار الذى أعاد للقوم كرامتهم وحريتهم وهكذا يبدو لنا من الحوار إشارة الكاتب إلى بشارات الفرح والسرور من المواطنين وقد علت زغاريد النساء إبتهاجاً بهذا الإنتصار الغالى الذى أعاد للمواطن أمنه وأمانه وكرامته. والكاتب هنا يشير أيضاً إلى بداية عهد إستقلال تنزانيا عام 1961م. ذلك الإستقلال الذى تحدث عنه الكتاب السواحيليون القدامى والجدد فى كتاباتهم الشعرية والمسرحية والروائية وذلك من خلال إشارة الكاتب فى حواره إلى مشاهير الكتاب أمثال شعبان روبرت ومنيامبالا وكزلهابى وموياكا وبنينا موهاندو وعبداللطيف عبدالله وكذلك إبراهيم حسين. هؤلاء الكتاب الذين طالما جسدوا فى كتاباتهم الدرامية المآسى التى تعرض لها المواطنون. وفى ذلك إشارة إلى الرغبة الملحة عند الشعب بالحصول على الحرية وفى نفس الوقت يُعبر عنها الأدباء المتخصصون فى مجالات الأدب المختلفة.
ثم يستمر الكاتب فى حواره ليخبرنا أن فرحة القوم بالإستقلال لم تدم طويلاً إذ جاءهم إستعمار من نوع أخر على يد بعض القادة الطالحين من أبناء الوطن الذين لا همَّ لهم سوى مصالحهم الخاصة بعد أن إرتدوا قناع المستعمر.
وهنا يشير الكاتب إلى عودة الفساد مرة ثانية بعد الإستقلال على يد بعض القادة الوطنيين الذين إستغلوا مناصبهم إستغلالاً سيئاً يتناسب وميولهم المادية بنهمهم فى سلب أموال الشعب دون مراعاة لمصالح المواطنين الذين حملوهم الأمانة وأعطوهم ثقة القيادة. وهنا تصل المأساة إلى ذروتها حين يدب الصراع بين أعضاء الجسد الواحد- فالحاكم والمحكوم من أبناء بيئة واحدة إلا أن الحاكم إنتهج سلوك المستعمر فأصبح الألم أشد قسوة على المواطنين- وبدأت تظهر أخطار ذلك مع زيادة المال فى يد هؤلاء الطالحين. فظهر الصراع الطبقى الذى يؤدى غالباً إلى الإنهيار لا التطور. ويتضح ذلك من الحوار حين يشير إلى أن هؤلاء القادة إرتدوا جلد الثعبان بالإضافة إلى ما يرتديه المستعمر من أقتعة سوداء على وجهه متخفياً وراء مبادئ واهية.
هكذا يشير الكاتب إلى زيادة الخطر أكثر من ذى قبل وذلك بظهور البديل الثانى للإستعمار كما هو واضح من حواره فى ظهور الرأس الثانية للأفعى الملعونة مما تسبب فى تحطيم القيم والمبادئ الأفريقية المتوارثة مما زاد فى صعوبة علاج المرض المستشرى بين الناس. ثم تقول الراوية بعد ذلك أنها قد إنتهت من حديثها ويجب عليهم أن يحلوا اللغز و أن يذكروا لها إسم المدينة المقصودة بذلك. ويذكر المرددين لها أكثر من مدينة مشهورة فى تنزانيا وهى تقول لهم لا إلى أن يذكروا لها مدينة دار السلام, فتجيبهم إن هذه المدينة هي ما أعنيها.
كما استخدم الكاتب طريقة تكرار الجمل والكلمات التى يتميز بها الأدب الشفاهى بما تحمله معانيها من إشارات رمزية تعكس رؤية الكاتب عن الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية التى يمر بها المجتمع بما فيها من سلبيات طرأت على المجتمع وأدت إلى انتشار الفساد بين أفراده.
الخاتمة
فى النهاية يمكن القول إن الكاتب إبراهيم حسين إستطاع أن يجسد المراحل التى مرت بها تنزانيا أو ما يشبهها من الدول الأفريقية منذ الطلائع الأولى لمجئ المستعمر إلى الدول الأفريقية, وحتى وقتنا الراهن بأشكاله و ألوانه المتعددة, وذلك فى اطار مسرحى جديد يمزج بين فن الحكاية الشعبية والمسرحية بشكلها الحديث, وذلك فى شكل مسرحى تجريبى. ولكى يتمكن الكاتب من عرض فكرته وتجسيدها استخدم الرمز على لسان الراوية التى تقص الحكاية على الحاضرين. واستخدام الكاتب للرمز على لسان الراوية يجعل عنده مساحة أكبر من الحرية فى نقده للسلبيات المنتشرة فى المجتمع . كما استخدم الكاتب طريقة تكرار الجمل والكلمات التى يتميز بها الأدب الشفاهى بما تحمله معانيها من إشارات رمزية تعكس رؤية الكاتب عن الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية التى يمر بها المجتمع بما فيها من سلبيات طرأت على المجتمع وأدت إلى انتشار الفساد بين أفراده.
وبهذا الإطار الجديد الموجود بين كتاب المسرح السواحيلى فى كتاباتهم المسرحية إشارة إلى أن المسرح السواحيلى قد انتقل من مرحلة المحاكاة والتقليد للمسرح الغربى إلى مرحلة جديدة يغلب عليها التجريب والتأصيل على يد كُتابه من الموهوبين الذين تعلموا على يد رواد المسرح الغربى, باحثين فى ذلك عن أشكال درامية جديدة مصاغة فى قالب سواحيلى يعكس البيئة السواحيلية الأفريقية بخصائصها التى تميزها عن غيرها, وذلك من خلال توظيف الأعمال التراثية التى لها جذور عميقة فى البيئة فى ثنايا الأعمال المسرحية فى محاولة لإيجاد قالب مسرحى سواحيلى يأخذ من التراث وفى نفس الوقت يساير حركة التطور والتجديد المسرحى العالمى المتحرر من القيود الكلاسيكية الت وضعها أرسطو فى كتابه فن الشعر, أو بمعنى أخر الأخذ بالأسس المسرحية التى وضعها أرسطو مع تطويرها وتجديدها بما يتماشى مع حركة التجديد والتجريب المسرحى العالمى.
وبما أن هاتين المسرحيتين قد تم كتابتهما فى السبعينيات من القرن الماضى, فهذا يشير إلى أن مرحلة التجريب فى المسرح السواحيلى بدأت مع كتابات رواد المسرح السواحيلى من أمثال إبراهيم حسين وبنينا موهاندو وسعيد أحمد محمد. وتعد مسرحيتى “ديك القرية” و درع الأجداد” من المسرحيات الأولى الطليعية التى انتهج فيها الكاتب التجريب والتجديد مُسقلهما أفكارهما من التراث المتمثل فى فن الحكاية الشعبية. وهو بذلك يكون قد لجأ إلى الأدب الشفاهى الذى تتوارثه الأجيال فى دعم أفكاره فى شكل مسرحى جديد يمزج بين الأدب الشفاهى والأدب المكتوب.










