د. عبد الرحمن الدياسطي يكتب: إنسانية الإنسان

إن مهمة الإنسان وغايته في الأرض واضحة ،فقد خلق ليكون خليفة الله في الأرض، وحمله الله عمارة الكون،لكن النظرة المادية الملحدة لم تعرف للإنسان غاية ولم تحدد له هدفا لأنها لا تعترف أصلا بوجود إله.
إن النظرة المادية للإنسانية نتج عنها شعور الإنسان بالتفاهة والضياع، ونظرته إلى نفسه نظرة حيوانية بحته ،كما أن هذه النظرة المادية الملحدة جعلته يدور حول هواه وشهواته، فيضخم الجانب الجسدي على الجانب الروحي ،فأدى ذلك إلى شقائه وهلاكه وتعاسته.
إن الإسلام يوجه عناية بالغة إلى كلا الجانبين الجسدي والروحي ،ووازن بينهما موازنة وسطية بحيث لا يطغى جانب على آخر فلا هو ملائكي ولا هو حيواني بل طبيعة إنسانية مزدوجة زواج الإسلام بينهما في وحدة متسقة متناغمة أعطت لكل منهما حقه في غير إفراط ولا تفريط.
إن جميع الشعائر الدينية والتكاليف الشرعية تحتوي على جوانب إنسانية راقية، فالصلاة تحقق المساواة بين الناس في وقوفهم صفوفا متراصة، كما تشمل تعليم الطاعة للقائد في صلاة الجماعة، والزكاة هي للغني تزكية وتطهير وللفقير إغناء وتحرير، وكذلك الصوم تربية للإرادة الإنسانية على الصبر في مواجهة الشدائد وتزكية للمشاعر على إلتزام السلوك القويم.
من هنا فإن الإنسانية ليست حرية كاملة بلا ضوابط، بل هي مسؤلية عامة الرجل مسؤل والمرأة مسؤلة والحاكم مسؤل كل في مكانه وميدانه مسؤل، وشعور كل إنسان بمسؤليته يجعله يحس بكيانه وبأهميته في المجتمع.
إن المسؤلية في الإسلام لها معايير ومبادئ تسير عليها، فالناس جميعا إخوة من أب واحد وأم واحدة(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) هذه الأخوة شاملة للبشرية جمعاء الأبيض والأسود، العربي والعجمي، المسلم وغيره، فالقيمة الإنسانية للجميع واحدة.
إن تحقيق إنسانية الإنسان هو مرتكز الحضارة الإسلامية وينبوع السعادة للفرد والامة ،وهذا لن يتأتى إلا أن يؤدي الإنسان حق الله تعالى وحق النفس وحق الآخرين ،فحق الله أن يأتمر بأوامر ربه وأن يتجنب نواهيه ليحقق الوظيفة التي من أجلها خلق ،وحق النفس بحفظها روحيا وجسديا وعقليا ،أما حق العباد فبصيانة دمائهم وأعراضهم، وحفظ كرامتهم وحرماتهم، وأن يعاملهم إخوانا له في الآدمية والإنسانية.
إن الإنسانية المعاصرة حادت عن الطريق الصواب فرأينا الإنسان في المجتمعات الحديثة يقاتل بكل قوته لنهب خيرات الآخرين وقهرهم واستعبادهم ارضاءا لنفسه ولكبرياء مجتمعه وتحقيق مطامعه ومصالحه، فجعل الإنسان يستخدم كل الطاقات في خدمة هذا الصراع الذي يدور بين الأفراد والجماعات وبين الدول والشعوب، وبذا تكون الإنسانية كلها في خدمة الشيطان وفرق بين الأمرين(الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت).
في النهاية نقول إن الإنسانية الحقيقية هي التي تجعل الإنسان كائن متميز حامل لرسالة إلهية له حسه وعقله وتفكيره، يعمل لإسعاد نفسه وإسعاد المجتمع، يحس بكرامته ومكانته ومركزه القيادي في هذا الكون الفسيح.
الإنسانية الحقيقية هي التي تنمي مواهب الإنسان ولا تكبتها ولا تتركها تتبدد هنا أو هناك بلا فائدة، بل إنها تنظر إلى هذه المواهب أنها هبة من الله، بها يرتبط بخالقه ويحس عن طريقها بالأمن والأمان والسكينة والإستقرار.







