
إن تكريم الله تعالى للإنسان عنوان كبير سطره ربنا في القرآن المجيد في آخر وحي الله لرسل الله لسيدنا محمد، فقال جل جلاله في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. وجاءت السنة النبوية المطهرة لتؤكد على هذا المعنى وتعمقه، حينما قال الرسول الكريم للصحابي زاهر بن حرام الأشجعي: «لَكِنَّكَ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ»، أَوْ قَالَ: «عِنْدَ اللهِ أَنْتَ غَالٍ». إن الله عز وجل كرم هذا الإنسان، وهو عنده سبحانه كريم وغالٍ.
إن لهذا التكريم تاريخًا قديمًا يمتد إلى بدء الكون ونشوء الخليقة؛ ففي وسط الملأ الأعلى من الملائكة الأطهار، يعلن ربنا عن خلق هذا الإنسان، وهو سبحانه يعلم كيف يستخدم هذا المخلوق مواهبه في الحفاظ على الوطن والنفس والعرض والدين، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وبعد هذا التكريم الأولي بالخلق، مهد ربنا لتكريم لطيف آخر؛ فأمر الله تعالى الملائكة ـ وهم العباد المطهرون ـ بالسجود المعظم لآدم، قال عز وجل: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
ثم امتد هذا التكريم الإلهي بإرسال الرسل الذين بلغوا الإنسان عقيدة التوحيد، وبينوا له طرق العبادة، وأمروه بعمارة الأرض. وفي القرآن الكريم ذكر ربنا خمسا وعشرين نبيا ورسولا بالاسم وبطرف من قصصهم، لكن العدد الإجمالي للأنبياء على مدار تاريخ الإنسانية بلغ حد الكثرة، فعن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: «مِئَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا»، قلت: يا رسول الله كم الرسل منهم؟ قال: «ثَلَاثُمِئَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ»، قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: «آدَمُ»، قلت: يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: «نَعَمْ» (أبو ذر الغفاري ـ ابن حبان).
ولنا أن نتخيل هذا العدد الكبير من الأنبياء والمرسلين الذين بعثهم الله لبناء الإنسان؛ حتى يبني هذا الإنسان بدوره المجتمع والوطن ويحافظ عليه. ولم كان كل هذا العدد؟ لأن الإنسان هو المكلف بحماية بيئته ومجتمعه، فتأتي الرسالات لتجعل من التكريم الإلهي تكليفا وتشريفا، يتبعه حساب وثواب وعقاب.
وإذا تأملنا كيف كرم الله هذا الإنسان، نجد أن التكريم يتجلى في مقومات أساسية:
أولاً: التكريم بنعمة العقل
كرم الله الإنسان بالعقل الذي به يحافظ على نفسه وأرضه وعرضه ووطنه. فنعمة العقل نور بثه الله في الإنسان ليميز به بين النفع والضر، والخير والشر، والحق والباطل، يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78].
وقد سُئل الإمام الشافعي -رحمه الله-: “ما أنعم ما أعطي العبد؟” قال: “عقل يهديه إلى الحق”، قيل: “فإن لم يكن؟” قال: “فأدب يستره”، قيل: “فإن لم يكن؟” قال: “فمال يصلح به حاله”. العقل أمانة ومسؤولية؛ فكيف يرضى عاقل أن يغيب عقله بالمسكرات والمخدرات؟ أو يسمح للأفكار الهدامة أن تعبث به فترديه في مهاوي الضلال؟ إن العقل أمانة نحافظ بها على أمن مجتمعاتنا وأوطاننا الغالية.
ثانياً: التكريم بالبيان وحسن التقويم
كرم الله الإنسان بنعمة الكلام والتبيان، واستواء الجسم والبنيان، يقول سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، ويقول جل جلاله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. وهذا البيان تكريم رفيع؛ فبلسانه يتكلم ويعبر، وبمنطقه يشرح ويفكر. وقد علم الله الإنسان البيان ليكون مصدر خير لنفسه ولغيره، ومصدر أمن وأمان لأخيه الإنسان، وطريق نور في دنيا الناس؛ فيحافظ به على الوطن الحاني، ويقدم للعالم نموذجا حضاريا راقيا.
ثالثاً: التكريم بنعمة التكليف والاستخلاف
إن استواء الجسد، ورجاحة العقل، وفصاحة اللسان، إنما جاءت لسبب شريف ومطلب عفيف، وهو التكليف والاستخلاف في الأرض، يقول الله جل جلاله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: 72]. ومن مقاصد الأمانة ومعانيها: التكليف، فالإنسان مكلف بأن يكون عضوا نافعا في المجتمع، والله تعالى لا يكلفنا بما يرهقنا بل بما يناسب قدراتنا، يقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
فالتكليف ليس عبئا ثقيلا، بل هو تشريف وتكريم؛ لأن الله اهتم بالإنسان، وخاطبه بأوامره ونواهيه، وجعل له ثوابا عظيما على طاعته. ولنا في حال الصحابة الكرام أسوة حين فهموا شرف التكليف؛ فعندما نزلت آيات تحريم الخمر، وكان أهل المدينة يشربونها، لم يترددوا، بل قالوا: “انتهينا ربنا، انتهينا”، وأراقوا زقاق الخمر في أزقة المدينة حتى سالت بها الطرقات، لعلمهم أن خطاب التكليف من الرحمن شرف لا يدانيه شرف.
إن الإنسان مكلف بعمارة الأرض، والحفاظ على الوطن، وحماية أهله وأسرته ومجتمعه. والتاريخ الإنساني حافل بهذه النماذج المشرفة؛ ففي أوقات التحديات والأزمات يكون الوطن في القلوب متربعا، وعلى أكتاف أبنائه الأشراف متوسدا، والجميع يعمل في حماية الداخل، والأفئدة تلهج بالدعاء والتضرع إلى رب العزة والجلال، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. فتكون التضحيات والجهود هي الطريق لبناء وتشييد الحضارات وصياغة المستقبل؛ لتعلن تفعيلا حقيقيا لتكريم الله تعالى للإنسان الذي قام بعمارة الأرض وبناء الوطن والحفاظ على أمجاده.
وبناءً عليه، فإن من كرمه الله بالعقل والبيان واستواء الجسد والتكليف، لابد أن يشكر هذه المواهب والنعم بأن يكون محلا لنظر الله تعالى، فربنا سبحانه يريد أن يرانا حيث أمرنا بالخير فنكون أهلا لهذا الخير ومصدرا لكل نفع:
شكر نعمة الجسد المستوي: يكون بأن تسجد به لله، وتسعى به في مضارب الخير والعون.
شكر نعمة العقل: يكون بالتفكير في آيات الله، وحمايته من الخرافات والآفات والأوهام والفكر السيئ.
شكر نعمة البيان: يكون بأن يجعل تعبيره ولسانه بيان خير ونفع ووئام.
شكر نعمة التكليف: يكون بعبادة الله ومراقبته في الأقوال والأحوال، وأن يكون الإنسان مصدر أمان لمجتمعه يتعامل معه بحب، ويعيش بلطف، ويحافظ على وطنه مستحضرا دائمًا هذه القاعدة: «العناية بالوطن ضرورة اجتماعية وفريضة شرعية».










