الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: المعالجة الإعلامية لثغرة الدفرسوار في حرب أكتوبر..
مقالات للرأي

من الدروس الإعلامية لحرب أكتوبر أن توقيت نشر البيانات العسكرية وحجم المعلومات التي تتضمنها وطريقة صياغتها، اثرت في معنويات الجمهور وفي حسابات الخصم ومن هذه الزاوية تبدو ثغرة الدفرسوار يوم 15 اكتوبر عام 1973 واحدة من أهم الاحداث التي يمكن من خلالها قراءة تجربة الإعلام المصري في الحرب ليس باعتبارها معركة عسكرية فحسب، وإنما باعتبارها اختبارًا لقدرة وسائل الإعلام على التعامل مع معلومات شديدة الحساسية في ظل حرب مفتوحة وكان أمام الإعلام المصري مهمة مختلفة عن مهامه في الظروف العادية !
و لم يكن المطلوب أن يعرف الجمهور كل ما تعرفه القيادة العسكرية، ولا أن تتحول غرفة الأخبار إلى غرفة عمليات تنقل تفاصيل تحركات القوات ومواقعها !
كانت هناك قاعدة أساسية تحكم التعامل مع المعلومة:
ما يُعرف في غرفة الأخبار ليس بالضرورة هو كل ما يُقال على الهواء. فقد صدر عن القيادة العامة للقوات المسلحة 64 بيانا من 6 إلى 24 اكتوبر كانت المصدر الرئيسي للمعلومات المتعلقة بسير العمليات !
وتحليل البيانات يقول إن الحديث عن منطقة الدفرسوار لم يبدأ باعتراف مفاجئ فقد ورد اسم المنطقة في بيانات عسكرية عن مجمل العمليات حتى أصبحت أكثر حضورًا مع تطور الموقف !
في بيان 19 أكتوبر، أشارت القيادة العامة إلى اشتباك القوات المصرية مع عناصر إسرائيلية عبرت إلى الضفة الغربية للقناة !
ثم تحدث بيان 20 أكتوبر عن المعارك في منطقة المحور الأوسط والدفرسوار، وتوالت الإشارات إليها في بيانات 21 و22 و23 أكتوبر.
وهنا تكمن أهمية قراءة تلك البيانات قراءة إعلامية، لا عسكرية فقط.
لا يستطيع المذيع الذي يجلس أمام الكاميرا أو الميكروفون أن يتعامل مع المعلومة العسكرية كما يتعامل مع خبر سياسي أو اقتصادي أي هناك معلومات يمكن بثها، وأخرى قد يكون نشرها في توقيت معين إضرارًا بالقوات الموجودة في الميدان.
ولذلك يصبح تحرير الخبر في زمن الحرب عملية أمنية ومهنية في آن واحد !.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في بيانات الثغرة هو التطور التدريجي في مستوى الإفصاح. في البداية كانت البيانات تركز على القتال والخسائر والاشتباكات، ثم أصبح توصيف الموقف أكثر تحديدًا.
وفي البيان رقم 58 الصادر في 24 أكتوبر، قدمت القيادة العامة شرحًا أكثر تفصيلًا للموقف، وتحدثت صراحة عن وجود ثغرة في منطقة الدفرسوار وتسرب أجزاء من القوات الإسرائيلية وانتشارها في مناطق غرب القناة.
هذا التدرج في المعلومات مهم جدًا عند تقييم أداء الإعلام في تلك الفترة !
إذن تعمل غرفة الأخبار بالمعلومات المتاحة في لحظتها لا قبلها ولا بعدها وهذه قاعدة مهنية أساسية في تغطية الحروب.
و إسرائيل كانت تدير هي الأخرى معركتها الإعلامية، وكانت البيانات المتبادلة جزءًا من الحرب النفسية ومحاولة التأثير في الرأي العام !
ولذلك كان على الإعلام المصري أن يوازن بين الحفاظ على المعنويات وبين عدم تقديم معلومات تفصيلية يمكن أن يستفيد منها العدو.
ومن هنا يجب التمييز بين مفهومين التعتيم الإعلامي والتحفظ العسكري !
التعتيم الإعلامي بمعنى حجب الحقيقة عن الجمهور، بينما التحفظ العسكري يعني عدم نشر كل التفاصيل في اللحظة التي تقع فيها الأحداث، حفاظًا على سلامة القوات وأمن العمليات.
وتؤكد بيانات الأيام الأخيرة من الحرب هذا التوجه ففي 23 أكتوبر، أعلنت القيادة العامة أن القوات الإسرائيلية استغلت وقف إطلاق النار ودعمت قواتها في منطقة الدفرسوار، ثم أعلنت في اليوم التالي أن القوات الإسرائيلية حاولت التحرك جنوبًا وقطع الطرق المؤدية إلى السويس.
هنا تصبح غرفة تحرير الأخبار جزءًا من سلسلة مهنية تبدأ بالمعلومة العسكرية، ثم تمر عبر التحقق والتدقيق ، وتنتهي برسالة إعلامية محسوبة التوقيت والصياغة يقرأها المذيع على الهواء !
ومن واقع خبرة العمل في ماسبيرو، يمكن القول إن الخبر العسكري لم يكن مادة خامًا يملك المحرر حرية التصرف فيها كما يشاء حيث كان المصدر العسكري هو المرجعية، ثم يأتي بعد ذلك البناء الإعلامي للخبر: مقدمة، وصياغة، وترتيب، وربط بالتطورات السابقة.
وهذا لا يعني أن كل ما قيل في إعلام الحرب كان بالضرورة مطابقًا بصورة كاملة لما تكشفه الوثائق لاحقًا.
طبيعة الإعلام في زمن الصراع أن تعمل المؤسسات بالمعلومات المتاحة في وقتها، بينما يأتي المؤرخ بعد سنوات ليعيد تركيب الصورة اعتمادًا على الوثائق والمذكرات وشهادات المشاركين.
ولهذا فإن تقييم إعلام حرب أكتوبر يجب ألا يتم فقط من خلال ما نعرفه اليوم عن ثغرة الدفرسوار، بل من خلال السؤال الأهم:
.. ماذا كان يعرف الإعلام في تلك اللحظة؟
وما الذي كان مسموحًا له أن يقوله؟
وما الذي كان ينبغي ألا يقوله؟
هذه الأسئلة تجعل من ثغرة الدفرسوار نموذجًا غنيًا لدراسة الإعلام العسكري الذي في جانب مهم منه المواجهة على مستوى المعلومات والصورة الذهنية والمعنويات وفي الوقت نفسه
المحافظة على ثقة الجمهور، وتقديم رواية تستند إلى البيانات الرسمية، وتجنب كشف ما يمكن أن يمثل معلومة عملياتية للخصم.
واليوم بعد مرور 53 عامًا على حرب أكتوبر، تبدو هذه التجربة جديرة بإعادة القراءة من منظور مهني جديد:
( إعلام الحرب لا يُقاس فقط بكمية الأخبار التي نشرها، وإنما أيضًا بقدرته على معرفة حدود ما ينبغي نشره ومتى ينبغي نشره)
لقد كانت ثغرة الدفرسوار اختبارًا للميدان، و لوسائل الإعلام وفي النهاية :
إن أهم درس إعلامي يمكن استخلاصه من تلك التجربة هو أن المصداقية في زمن الحرب لا تعني قول كل شيء فورًا، كما أن التحفظ لا يعني بالضرورة إخفاء الحقيقة.
و المعيار هو أن تكون المعلومة صحيحة في حدود ما تسمح به ضرورات الأمن العسكري، وأن يدرك الصحفي أن وراء كل كلمة تُذاع على الهواء مسؤولية قد تتجاوز حدود غرفة الأخبار إلى أرض المعركة نفسها !









