أ. د. فايد محمد سعيد يكتب: تجديد قراءة السيرة (10): «ليس منا من لم يرحم صغيرنا»… حين أكرم النبي ﷺ إنسانية الطفل
مقالات للرأي

نواصل في الحلقة العاشرة من سلسلة «تجديد قراءة السيرة» الانتقال من قراءة أحداث السيرة منفردة إلى اكتشاف المنهج الذي يجمع بينها، ونقف هذه المرة أمام جانب عظيم من حياة سيدنا محمد ﷺ: مكانة الطفل. ويمكن أن نقرأ هذا الجانب كله في ضوء قوله ﷺ: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا»، وجاء بألفاظ متقاربة منها: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا» (رواه أبو داود والترمذي وأحمد). «ليس منا من لم يرحم صغيرنا» ليست دعوة إلى عاطفة عابرة تجاه الأطفال، وإنما إعلان عن قيمة من قيم المجتمع الذي أراد النبي ﷺ أن يبنيه. وحين نقرأ سيرته نجد أن الرحمة عنده كانت أوسع من مجرد العطف؛ كانت احترامًا لإنسانية الطفل، واعترافًا بمشاعره، وحفظًا لحقوقه، واستماعًا إليه، وتعليمًا له، وملاعبة له، وبناءً لشخصيته. لم يكن الطفل عند رسول الله ﷺ مجرد مشروع إنسان سيصبح مهمًا عندما يكبر، بل كان إنسانًا له كرامته الآن، وله مشاعره الآن، وله حقه الآن.
ولعل من أرق مشاهد السيرة وأعمقها قصة طفل صغير اسمه أبو عمير، أخو أنس بن مالك رضي الله عنه من أمه. كان لهذا الطفل طائر صغير يلعب به يقال له النُّغَير، فمات الطائر وحزن عليه، وكان رسول الله ﷺ يدخل عليهم ويعرف قصة هذا الطفل ويحفظ حتى اسم طائره، ويقول له ملاطفًا: «يا أبا عمير، ما فعل النُّغَير؟» (رواه البخاري ومسلم). قد نقرأ هذا الحديث ونبتسم ثم ننتقل إلى الحديث الذي بعده، ولكن تجديد قراءة السيرة يدعونا إلى أن نتوقف. إنه رسول الله ﷺ، نبي يحمل رسالة إلى العالمين، وقائد أمة، ومعلم وإمام وقاض، تأتيه الوفود، وتنزل عليه النوازل، ويواجه الأخطار، ويبني مجتمعًا جديدًا، ويحمل هم الهداية، ومع ذلك كله كان في قلبه وفي ذاكرته مكان لطفل صغير وطائر صغير. بأبي هو وأمي ﷺ، لم يتعلل بكثرة الأشغال، ولم يقل: هذه أمور أطفال، ولم يقل: سيأتيه طائر آخر، ولم يسخر من حزنه لأن سبب الحزن صغير في نظر الكبار. لقد كان الطائر صغيرًا في أعين الآخرين، لكنه كان كبيرًا في قلب الطفل، ورسول الله ﷺ احترم حجم الحدث في قلب صاحبه، لا حجمه في أعين الآخرين.
وهنا درس تربوي نحتاج إليه اليوم. كم يأتي طفل إلينا حزينًا من أمر نراه تافهًا فنقول له: لا تبكِ، الأمر لا يستحق! ولكن من الذي قرر أنه لا يستحق؟ قد لا يستحق عندك، لكنه عند الطفل عالم كامل. إن احترام الإنسان يبدأ باحترام مشاعره، حتى حين يكون هذا الإنسان طفلًا. بل تأملوا كيف خاطبه النبي ﷺ: «يا أبا عمير». طفل صغير، ومع ذلك يكنيه رسول الله ﷺ كما يكنى الكبار. وقد استنبط العلماء من الحديث جواز تكنية الصغير وممازحته وملاطفته، لكن وراء ذلك معنى تربويًا عظيمًا: اجعل الطفل يشعر أنك تراه، وأنك تعرفه، وأن له شخصية ومكانة عندك.
ثم ننتقل إلى مشهد آخر يكشف بعدًا آخر من تكريم الطفل. كان رسول الله ﷺ جالسًا ومعه جماعة، فأُتي بشراب فشرب منه، وكان عن يمينه غلام وعن يساره أشياخ من الصحابة، وكان الحق في البدء لمن عن يمينه. لكن الذي على اليمين طفل، والذين على اليسار كبار الصحابة. وبمنطق كثير من المجتمعات يمكن ببساطة أن نتجاوز الطفل: إنه صغير! لكن محمدًا ﷺ لم يفعل. قال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟» فقال الغلام: «لا والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا»، فوضع رسول الله ﷺ الإناء في يده (رواه البخاري ومسلم)، والغلام في الرواية هو عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
توقفوا عند كلمة واحدة: «أتأذن لي؟» رسول الله ﷺ يستأذن طفلًا! كان يستطيع أن يعطي الكبار، وكان الطفل سيطيعه، لكن القضية لم تكن قضية شراب، وإنما قضية حق، والحق لا يصبح صغيرًا لأن صاحبه صغير. ثم إن الطفل رفض. لم يقل له النبي ﷺ: عيب، هؤلاء كبار. ولم يغضب منه، ولم يجبره على التنازل، بل أقر حقه وأعطاه الإناء. إنها مدرسة كاملة في بناء الشخصية. نربي الطفل على احترام الكبير، نعم، ولكن لا نربي الكبير على إلغاء حق الطفل. نعلم أبناءنا الأدب، لكننا لا نعلمهم أن الأدب يعني أن يتنازل الضعيف دائمًا عن حقه للقوي. الطفل عند رسول الله ﷺ له حق، وإذا ثبت له الحق احترمه رسول الله ﷺ.
ثم يأتي مشهد ربما يكون من أعظم المشاهد في فقه الرحمة ومراعاة مشاعر الطفل وأمه. قال رسول الله ﷺ: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطوّل فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوّز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه» (رواه البخاري). تأملوا هذا المشهد: رسول الله ﷺ إمام، وخلفه الصحابة، وقد دخل الصلاة يريد أن يطيلها، ثم يسمع طفلًا يبكي، فتتغير خطة الصلاة كلها. لماذا؟ لأن هناك أمًا سيتعلق قلبها بطفلها. وصل بكاء الطفل إلى قلب الأم، ووصلت مشقة الأم إلى قلب رسول الله ﷺ، فخفف الصلاة. لم يقل للأم: لماذا أحضرت طفلًا إلى المسجد؟ ولم يجعل وجود الطفل مشكلة، بل غيّر هو طول صلاته مراعاة للطفل وأمه.
وهنا ينبغي أن نقف أمام حال بعض مساجدنا اليوم. كيف نستقبل الأطفال؟ هل المسجد مكان يشعر الطفل فيه بالأمان والحب؟ أم أن أول ذكرياته عنه صوت رجل يصرخ فيه: اسكت، لا تتحرك، اخرج؟ كيف نريد من الطفل أن يتعلق بالمسجد غدًا إذا جعلنا المسجد اليوم مكانًا يخافه؟ رسول الله ﷺ كان يسمع بكاء طفل فيغير من أجله طول الصلاة، فكيف تضيق بعض مساجدنا اليوم بحركة طفل؟
بل كان ﷺ يصلي فيأتي الحسن أو الحسين رضي الله عنهما فيركب على ظهره وهو ساجد، فيطيل السجود حتى ينزل الطفل. ولما سئل عن طول سجوده أخبرهم أن ابنه ارتحله وقال: «فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته» (رواه النسائي وأحمد). تأملوا قوله: «فكرهت أن أعجله». طفل يلعب، والنبي ﷺ في الصلاة، ومع ذلك يراعي حاجته إلى اللعب ولا يريد أن يقطع عليه لحظته بعنف أو جفاء. وكان ﷺ يصلي وهو يحمل أمامة بنت زينب رضي الله عنها، فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها، والحديث في الصحيحين. رسول الله ﷺ يؤم الناس في الصلاة وعلى كتفه طفلة. أي رسالة تربوية أعظم من هذه؟ إن الطفل ليس عبئًا ينبغي إخفاؤه عن الحياة العامة، والرحمة لا تناقض العبادة، والوقار لا يعني الجفاء.
ورأى الأقرع بن حابس رضي الله عنه رسول الله ﷺ يقبل الحسن، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فقال رسول الله ﷺ: «من لا يَرحم لا يُرحم» (رواه البخاري ومسلم). وجاء أعرابي فقال: أتقبلون صبيانكم؟ فما نقبلهم، فقال ﷺ: «أوَأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟» (رواه البخاري ومسلم). المشكلة إذن لم تكن في الطفل، وإنما في ثقافة ترى التعبير عن الحب ضعفًا. جاء محمد ﷺ ليعلم الناس أن الرحمة ليست ضد الرجولة، وأن تقبيل الطفل واحتضانه ليس نقصًا في الهيبة، بل إن القلب الذي لا يرحم هو الذي يحتاج إلى المراجعة.
ولم تكن هذه الرحمة مقصورة على أبنائه وأحفاده. كان أطفال المدينة يعرفونه ويقتربون منه، وكان ﷺ يمر بالصبيان فيسلم عليهم. وروى أنس رضي الله عنه أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: «كان النبي ﷺ يفعله» (رواه البخاري ومسلم). رسول الله ﷺ يبدأ الأطفال بالسلام. لم يقل: هم صغار فليبدؤوا هم. إنه يعلمنا بالفعل أن الطفل عضو في المجتمع، وأن له حضورًا، وأن من التربية أن يشعر الصغير بأن الكبار يرونه ويحترمونه.
ومن أجمل نماذج البناء النبوي للأطفال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. كان غلامًا صغيرًا، ولكن النبي ﷺ لم يقل: سيكبر ثم نعلمه، بل بدأ البناء مبكرًا، وضمه إليه ودعا له بالعلم والفقه، وثبت عنه ﷺ أنه دعا له: «اللهم علّمه الكتاب»، وثبت دعاؤه له بالفقه في الدين. ويروي ابن عباس رضي الله عنهما موقفًا من أعظم المواقف التربوية فيقول: «كنت خلف النبي ﷺ يومًا فقال: يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك…» (رواه الترمذي). «يا غلام، إني أعلّمك كلمات». لم يقل: أنت صغير على هذه المعاني. حدثه عن الله، وعن التوكل، وعن الاستعانة، وعن القدر، وعن علاقة الإنسان بربه؛ لأن الطفل عند رسول الله ﷺ ليس عقلًا فارغًا نملؤه بالتسلية فقط، بل عقل يمكن أن يفهم، وروح يمكن أن تتعلق بالله، وشخصية يمكن أن تُبنى. وذلك الغلام الصغير أصبح فيما بعد حَبْر الأمة وترجمان القرآن. ربما كان الناس يرون طفلًا صغيرًا يمشي خلف رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ يرى فيه عالمًا للمستقبل.
ورويت كذلك أخبار في ملاعبة النبي ﷺ لصغار بني عمه العباس، ومنهم عبد الله وعبيد الله وغيرهما، وتختلف أسانيد بعض تفاصيلها، لكن أصل ملاطفته ﷺ للصبيان ومداعبتهم وحملهم وتقبيلهم ثابت في أحاديث صحيحة كثيرة.
وهنا نصل إلى جوهر هذه الحلقة. أبو عمير، وابن عباس، والحسن والحسين، وأمامة، والطفل الذي بكى في الصلاة، والصبيان الذين كان النبي ﷺ يمر بهم فيسلم عليهم؛ إذا قرأنا كل قصة وحدها قلنا: كان رسول الله ﷺ يحب الأطفال. لكن إذا جمعنا هذه المواقف إلى جوار بعضها اكتشفنا شيئًا أكبر: كان لدى رسول الله ﷺ منهج كامل في تكريم الطفل. احترم مشاعره، واحترم حقه، واستأذنه، وسلم عليه، ومازحه، وقبله، وحمله، وصبر على لعبه، وراعى أمه من أجله، وعلمه، ودعا له، وبنى ثقته بنفسه. وكل ذلك يعود بنا إلى القاعدة التي بدأنا بها: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا». فالرحمة هنا ليست مجرد شفقة من الكبير على الصغير، وإنما رحمة تحفظ الكرامة وتبني الإنسان.
وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن نحمله معنا ونحن نتحدث اليوم عن حقوق الطفل. فعندما يتحدث العالم المعاصر عن حقوق الطفل، ينبغي للمسلمين أن يتحدثوا عن نبيهم ﷺ، لا على سبيل المنافسة بالشعارات، وإنما لأن سيرته تقدم نموذجًا عمليًا عظيمًا في احترام إنسانية الطفل. نتحدث عن نبي ﷺ عرف حزن طفل على طائر، واستأذن طفلًا في حقه، وأقره حين تمسك بحقه أمام كبار الصحابة، وخفف صلاة جماعة كاملة عندما سمع طفلًا يبكي، وحمل طفلة وهو يصلي، وأطال سجوده لأن طفلًا كان على ظهره، وبدأ الأطفال بالسلام، وقبل الأطفال ورفض ثقافة الجفاء معهم، وجلس إلى غلام صغير ليعلمه التوحيد والتوكل والإيمان. هذه ليست مجرد صور جميلة من الرحمة، وإنما تكريم لإنسانية الطفل.
ومن هنا ينبغي أن نقرأ حقوق الطفل في ضوء السيرة: حقه في الرحمة، وحقه في الأمان، وحقه في التربية والتعليم، وحقه في أن يُسمع، وحقه في أن تُحترم مشاعره، وحقه في ألا يُهان، وحقه في أن يجد في أسرته ومدرسته ومسجده ومجتمعه بيئة آمنة ينمو فيها جسده وعقله وروحه.
ثم ينبغي أن نتذكر حقيقة ربما تكون أهم ما في هذه الحلقة: أطفال اليوم هم رجال الغد ونساؤه، وهم آباء الغد وأمهاته، ومعلموه وعلماؤه وأطباؤه ومربوه، وهم قادة الغد، وهم مجتمع الغد كله. والطريقة التي نعاملهم بها اليوم لن تنتهي بانتهاء طفولتهم، بل ستسافر معهم إلى المستقبل. فالطفل الذي نكرمه اليوم سيتعلم كيف يكرم الآخرين غدًا، والطفل الذي نستمع إليه سيتعلم كيف يستمع، والطفل الذي نحترم حقه سيتعلم احترام حقوق الناس، والطفل الذي نربيه بالرحمة سيحمل الرحمة إلى أسرته ومجتمعه. وسيعاملون أبناء جيلهم وأبناءهم غدًا بكثير مما تعلموه منا اليوم.
فإذا أردنا مجتمعًا رحيمًا غدًا، فلنرب أطفالنا بالرحمة اليوم. وإذا أردنا مجتمعًا يحترم الإنسان، فلنحترم إنسانية أطفالنا. وإذا أردنا قادة يحفظون حقوق الناس، فلنرب أطفالًا يعرفون معنى الحق والعدل والكرامة. وإذا أردنا آباء وأمهات رحماء في المستقبل، فلنجعل أبناءنا يتذوقون الرحمة في بيوتهم اليوم.
وهنا ينبغي أن ننظر إلى أنفسنا: هل نستمع إلى أطفالنا؟ هل نحترم مشاعرهم؟ هل نمنحهم وقتًا؟ هل نعرف ما الذي يسعدهم وما الذي يحزنهم؟ هل يعرف الأب ماذا يحب طفله؟ رسول الله ﷺ عرف حتى اسم طائر أبي عمير. فهل يعرف الأب اليوم اسم أقرب صديق لابنه؟ هل يعرف ما الذي يخيفه؟ وما الذي يؤلمه؟ وما الذي يحلم به؟ قد نعرف درجات أطفالنا في المدرسة ولا نعرف ما في قلوبهم، وقد نوفر لهم الطعام والملابس وأفضل المدارس والأجهزة، ثم لا نوفر لهم شيئًا وفره رسول الله ﷺ لأبي عمير: الاهتمام.
وهناك كلمة يسمعها أطفال عصرنا كثيرًا: أنا مشغول. الأب مشغول، والأم مشغولة، والهواتف والشاشات تشغل الجميع. ولكن من منا كان أكثر مسؤولية من رسول الله ﷺ؟ كان نبيًا ورسولًا، ومعلمًا وإمامًا وقاضيًا وقائدًا، تأتيه الوفود، وتنزل به النوازل، ويحمل هم أمة كاملة، ومع ذلك وجد في قلبه ووقته مساحة ليقول لطفل: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟». فالمشكلة ليست دائمًا في عدم وجود الوقت، وأحيانًا تكون في ترتيب من يستحق وقتنا.
ونحتاج كذلك إلى أن ننظر إلى طريقة تعامل بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا ومؤسساتنا مع الأطفال. هل الطفل يسمع دائمًا: اسكت، اجلس، لا تتحرك، لا تسأل؟ أم يجد من يقول له: ماذا ترى؟ ماذا تشعر؟ ما سؤالك؟ لقد قال رسول الله ﷺ لطفل: «أتأذن لي؟»، وهذه وحدها مدرسة تربوية كاملة. واحترام الطفل لا يعني أن نترك التربية أو التوجيه أو الحدود، ولا يعني أن يفعل الطفل ما يشاء، وإنما يعني أن نؤدبه دون أن نهينه، ونصححه دون أن نكسره، ونعلمه دون أن نحتقر عقله، ونضع له الحدود دون أن نسلبه كرامته.
إننا أحيانًا نبحث عن إصلاح المجتمع في المؤتمرات الكبرى، بينما يبدأ جزء كبير من إصلاحه في الطريقة التي نتحدث بها مع طفل في البيت. الطفل الذي يسمع الاحترام يتعلم الاحترام، والطفل الذي يعيش الرحمة يتعلم الرحمة، والطفل الذي يسمح له بالسؤال يتعلم التفكير، والطفل الذي يسمع رأيه تنمو شخصيته، والطفل الذي يتعلق بالمسجد لأن فيه من يبتسم له سيعود إليه حين يكبر. أما الطفل الذي لا يسمع إلا الصراخ والتحقير، فقد يكبر جسده وتبقى جراح طفولته معه.
ولهذا فإن النبي ﷺ حين جلس إلى أبي عمير، وحين استأذن ابن عباس، وحين علّم الغلام، وحين حمل أمامة، وحين قبّل الحسن والحسين، وحين خفف الصلاة لبكاء طفل، لم يكن يضيع وقتًا كان يمكن أن يصرفه في بناء الأمة؛ كان ذلك نفسه بناء الأمة.
فالطفل الذي أمامك اليوم قد يكون عالم الغد، أو الطبيب، أو المربي، أو القائد، أو الأب أو الأم اللذين سينقلان ما تعلماه منك إلى جيل آخر. ولهذا فإن السؤال ليس فقط: ماذا سنترك لأطفالنا؟ بل هناك سؤال أعمق: أي أطفال سنترك للمستقبل؟
وهذه هي السيرة التي نحتاج أن نقرأها من جديد. لا يكفي أن نقول: كان النبي ﷺ يحب الأطفال، بل ينبغي أن نقول: احترم النبي ﷺ إنسانية الطفل. احترم مشاعره في قصة أبي عمير، واحترم حقه في قصة ابن عباس والشراب، وراعى الطفل وأمه في تخفيف الصلاة، وصبر على لعب الطفل وهو ساجد، وحمل الطفلة وهو يصلي، وعبر عن الحب بتقبيل الأطفال، وأشعرهم بمكانتهم حين بدأهم بالسلام، وبنى عقولهم وإيمانهم بقوله: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات».
إنها ليست مواقف متفرقة، وإنما منهج نبوي في بناء الإنسان منذ طفولته.
ولذلك، قبل أن نسأل أبناءنا لماذا ابتعد بعضهم عنا عندما كبروا، ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل اقتربنا نحن منهم عندما كانوا صغارًا؟ وقبل أن نسأل لماذا لا يحب بعض أطفالنا المسجد، ينبغي أن نسأل: كيف استقبلناهم عندما دخلوه؟ وقبل أن نطالب الطفل بأن يحترمنا، ينبغي أن نتعلم من محمد ﷺ: كيف نحترمه نحن؟
لقد وجد رسول الله ﷺ، وسط مسؤوليات أمة كاملة، مساحة في قلبه لطفل حزين على طائر صغير. ليس الطفل صغيرًا إذا كان ما يؤلمه كبيرًا في قلبه. وأطفال اليوم ليسوا قضية هامشية في مشروع الأمة؛ إنهم رجال الغد ونساؤه، وقادة الغد، ومجتمع الغد. وما نزرعه في قلوبهم اليوم سيعود إلينا مجتمعًا غدًا.
ولهذا كانت البداية النبوية واضحة: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا».
فحين نتحدث عن كرامة الطفل وحقوقه، فلنقرأ محمدًا ﷺ من جديد. وحين نريد أن نبني مجتمع المستقبل، فلنبدأ باحترام إنسانية الطفل اليوم.
فالاهتمام بالطفل ليس انشغالًا عن بناء الأمة؛ الاهتمام بالطفل هو بداية بناء الأمة.
قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
والله من وراء القصد.
المصادر والمراجع: سنن أبي داود، وسنن الترمذي، ومسند أحمد: حديث «ليس منا من لم يرحم صغيرنا…» بألفاظ متقاربة. صحيح البخاري وصحيح مسلم: حديث أبي عمير وقول النبي ﷺ: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟»، وحديث الغلام الذي كان عن يمين النبي ﷺ واستئذانه في إعطاء الأشياخ، وأحاديث تقبيل الأطفال وقوله ﷺ: «من لا يرحم لا يرحم»، وسلامه ﷺ على الصبيان، وحمله أمامة بنت زينب رضي الله عنها في الصلاة. صحيح البخاري: حديث تخفيف الصلاة عند سماع بكاء الصبي، ودعاء النبي ﷺ لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما. سنن النسائي ومسند أحمد: حديث إطالة السجود حين ارتحله الحسن أو الحسين رضي الله عنهما. سنن الترمذي: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك…». ووردت في كتب السيرة والشمائل والمسانيد أخبار في ملاعبة النبي ﷺ لصبيان بني العباس، مع اختلاف أسانيد بعض تفاصيلها، ولذلك اعتمد المقال في أصول معانيه على الأحاديث الصحيحة والثابتة.










