مقالات الرأى

د. علي المبروك أبو قرين يكتب: استشراف صحي عند عتبة الربع التاني من القرن الحادي والعشرين

مقالات للرأي

مع مطلع العام الجديد لا ندخل عاماً عادياً في تقويم الزمن بل نخطو فعلياً إلى عتبة الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين ، مرحلة فاصلة لم تعد تحتمل التجريب المرتجل ولا السياسات المؤقتة ولا الحلول الترقيعية ، إنها لحظة نضج تاريخي ، تُغلق فيها صفحة الربع الأول بما حمله من ارتباك وتجارب قاسية وأوبئة وتحولات كبرى ، وتُفتح فيها صفحة جديدة تتطلب وعي أعمق ورؤية أشمل ، ومسؤولية أخلاقية أعلى في إدارة الصحة والطب والإنسان . يدخل العالم هذا الطور الجديد محملاً بآفاق صحية غير مسبوقة ، تقودها تقنيات متقدمة وتكنولوجيا طبية متطورة ، وعلاجات واعدة لأمراض طالما وُصفت بالمستعصية ، وتحولات نوعية في إدارة الأمراض المزمنة ، ولم يعد الطب حبيس التدخل العلاجي المتأخر بل بات يتجه بثبات نحو الاستباق والتنبؤ والتخصيص . لقد أعاد الطب الخوارزمي والطب التنبؤي والجينومي وأنماط الحياة والرقمي تشكيل الممارسة الطبية ذاتها . لم يعد السؤال كيف نعالج المرض؟ بل كيف نتوقّعه؟ وكيف نمنعه؟ وكيف نقلّل مخاطره قبل أن يتحوّل إلى عبء فردي ومجتمعي واقتصادي؟ ومع هذا التحول يشهد الطب الوقائي قفزة نوعية ، تتيح تفادي أمراض متعددة وخطيرة ، واكتشاف حالات لم يكن من الممكن تشخيصها سابقا ، بل والتعرّف على أمراض جديدة فرضها نمط الحياة الحديث وأمراض العصر ، غير أن هذا التقدم العلمي على ضخامته لا يُترجم تلقائيا إلى صحة أفضل ، ما لم يُدمَج في رؤية إنسانية وسياسات واعية ، وما لم يصبح الإنسان شريك فعلي في صحته ، ومن هنا تبرز التوعية الصحية المجتمعية ومحو الأمية الصحية كأحد أعمدة الطب في هذا الطور الجديد . فالمعرفة الصحية شرط أساسي للأمن الصحي والاستدامة وتقليل العبء المرضي وترشيد الإنفاق وتعزيز الوقاية . والمجتمعات الواعية صحياً أقل عرضة للأمراض المزمنة وأكثر التزام بالعلاج وأقدر على الاستفادة من الطب الاستباقي وأكثر قدرة على التكيّف مع التحولات الصحية المستقبلية ولا يمكن لهذا التحول أن يتحقق دون استثمار استراتيجي في الإنسان ، وفي صناعة قوى عاملة صحية مؤهلة ، ومتعددة التخصصات وقادرة على التعامل مع الطب الحديث بلغته العلمية والتقنية والأخلاقية معاً . إن الطب في الربع الثاني من هذا القرن لا يُبنى بالأجهزة وحدها ولا بالبرمجيات فقط بل بتعليم طبي حديث يواكب التحولات العلمية وتدريب سريري حقيقي وكفاءات تمريضية وفنية عالية التأهيل وباحثين قادرين على تحويل المعرفة إلى سياسات وحلول ، وهذا يتطلب إنشاء صروح علمية طبية وصحية متكاملة ، تجمع بين التعليم الطبي ، والتدريب السريري ، والبحث العلمي ، والبنية التحتية الرقمية ، ضمن معايير عالمية واستقلالية أكاديمية وربط فعلي بين المعرفة والخدمة الصحية ، حينها فقط يمكن أن تتحول بعض البلدان والعواصم إلى منارات في العلوم الطبية والصحية ، وليس مستهلكة للتكنولوجيا أو مستوردة للخبرات ، بل منتِجة حقيقية للمعرفة وصانعة للعقول والمهارات ، وقادرة على تصدير الحلول . إن الهدف الأسمى من هذا التحول ليس الانبهار بالتقنية بل تحقيق الكفاءة في الأداء الصحي والكفاية في التغطية والخدمات والاكتفاء في الموارد والقدرات البشرية ، بما يضمن نظم صحية عادلة ومرنة ومستدامة وقادرة على الصمود أمام أزمات المستقبل من أوبئة وكوارث طبيعية ، وتغيرات ديموغرافية وبيئية واقتصادية . نحن إذن أمام طب جديد يتشكل ، وعالم صحي يعاد تعريفه . لكن السؤال الحاسم في هذه اللحظة التاريخية ليس
ماذا تستطيع التكنولوجيا الطبية أن تفعل؟ بل كيف نوجه هذا التقدّم ليخدم الإنسان ، ويحفظ كرامته ، ويعيد التوازن بين العلم والقيم فالقرن قد يتقدم زمنيا ، لكن الطب لا يتقدم حقا إلا إذا تقدمت معه إنسانيته .

زر الذهاب إلى الأعلى