مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: الإعلام ومعركة الوعي ” الواقع والمأمول” !

مقالات للرأي

لم تعد معركة الوعي مسألة نظرية تُناقش في كتب الفلسفة أو قاعات البحث الأكاديمي، بل أصبحت واقعًا يوميًا يعيشه الإنسان المعاصر في كل لحظة يتعرّض فيها لرسالة إعلامية، أو يتفاعل مع محتوى رقمي، أو يشاهد خبرًا عابرًا على شاشة هاتفه.
في عصر تدفّق المعلومات، لم يعد الخطر الحقيقي في غياب المعلومة، بل في طريقة تقديمها، وسياقها، والغاية الكامنة خلفها وهنا يبرز الإعلام بوصفه ساحة لمعركة لا تُدار بالسلاح، بل تدار بالإدراك، ولا تُحسم بالقوة، بل تحسم بالوعي !
ما هو الوعي ؟
اولا ترجمتها للغة الإنجليزية الأكثر استخدامًا في السياق الاجتماعي والإعلامي
public awareness
Consciousness و
في السياق الفلسفي أو النفسي
Perception
عندما يكونو المقصود الإدراك أو الفهم
ثانيا الوعي هو قدرة الإنسان على الفهم والتحليل، وربط الأحداث بسياقاتها، والتمييز بين الحقيقة والتأويل، وبين الخبر والرأي. الوعي حالة ذهنية وعقلية تجعل المتلقي فاعلًا لا منقادًا، ومشاركًا في الفهم لا مجرد مستهلك للمحتوى ومن هذا المنطلق، فإن الوعي لا يُمنح، بل يُبنى، ولا يتشكل في فراغ، بل يتأثر بالبيئة الثقافية والتعليمية والاجتماعية، ويأتي الإعلام في مقدمة العوامل القادرة على إما تعزيزه أو تقويضه !
يرتبط الإعلام بالوعي في علاقة تأثير متبادل وهي مركبة ومتداخلة بمعنى إن الإعلام لا يكتفي بعكس الواقع، بل يساهم في تفسيره وإعادة ترتيبه داخل ذهن المتلقي من خلال اختيار العناوين، وطريقة السرد، وحجم التغطية، ونوعية الضيوف، ويحدد الإعلام ما يستحق الاهتمام، وما يمكن تجاوزه، وما يُقدَّم بوصفه قضية اساسية أو هامشية وعندما يلتزم الإعلام بالمهنية والتوازن، يصبح أداة تنوير، يفتح الأفق أمام التفكير النقدي، ويعزز وعيًا قادرًا على الفهم والمساءلة.
أما حين ينحرف عن هذا الدور، فإنه يتحول إلى أداة توجيه، أو تزييف، أو تسطيح، فيسهم في إنتاج وعي هشّ، قابل للتشكيل والانقياد
وماذا يحدث عندما يفقد المتلقي وعيه؟
فقدان الوعي لا يعني غياب الذكاء، بل غياب المنهج النقدي. المتلقي فاقد الوعي لا يسأل عن المصدر، ولا يفكك الخطاب، ولا يربط بين الأسباب والنتائج. يكتفي بالانفعال، ويستجيب للرسائل العاطفية، ويتحول إلى جزء من حالة جماعية يسهل توجيهها وفي هذه الحالة
يتحول المواطن إلى ريشة في مهب الريح يتأرجح مع التيار بعد أن يتراجع عنده التفكير لصالح الانفعال وتُستبدل القضايا الحقيقية بمعارك جانبية
ويصبح المجتمع أكثر عرضة للاستقطاب ونشر الشائعات.
إن أخطر ما في تغييب الوعي أنه لا يُشعر المتلقي بأنه مُغيَّب، بل يمنحه وهم المعرفة، ويجعله يظن أنه يمتلك الحقيقة الكاملة.
تاريخ الإعلام الحديث يقدّم نماذج واضحة على دور بعض المنصات في تغييب الوعي، سواء بقصد أو دون قصد. وهذه نماذج على تغييب الوعي إعلاميًا :

🔸الإعلام التعبوي الذي يقدّم خطابًا أحاديًا، ويُقصي الرأي الآخر، ويختزل الواقع في ثنائيات حادة.

🔸الإعلام الترفيهي المفرط الذي يغرق المتلقي في التفاهة، ويُبعده عن القضايا العامة، ويعيد تشكيل أولوياته على أسس استهلاكية.

🔸الاجتزاء الإعلامي الذي يقتطع التصريحات من سياقها، أو يقدّم جزءًا من الحقيقة بوصفه الحقيقة الكاملة و تناولناها بالتفصيل في مقال سابق

🔸التكرار الممنهج لفكرة بعينها حتى تتحول إلى مسلّمة، بغض النظر عن دقتها أو صحتها.

في هذه الحالات، لا يتم تغييب المعلومة فقط، بل تُغيَّب القدرة على التفكير، ويُعاد تشكيل الوعي بما يخدم سردية بعينها.
ونتساءل هل الوعي سياسة أم تنوير؟
الوعي في جوهره فعل تنويري، لكنه قد يتحول إلى أداة سياسية عندما يُدار ويُوجَّه لخدمة أهداف محددة.
الإعلام هنا لا يصنع وعيًا حرًا، بل وعيًا مُدارًا، يحدّد للمتلقي ما يجب أن يقلق بشأنه، وما ينبغي أن يتجاهله والمشكلة لا تكمن في تسييس الوعي بحد ذاته، بل في اختزاله، وتحويله إلى أداة تعبئة بالشعارات والهاشتاجات وإفراغه من بعده النقدي. فالوعي الحقيقي لا يُلقّن، ولا يُفرض، بل يُبنى عبر المعرفة والنقاش والاختلاف إذن
لماذا أصبحت صناعة الوعي وظيفة أساسية للإعلام؟
في زمن التدفق المعلوماتي، لم يعد التحدي في الوصول إلى الخبر، بل في فهمه وتأويله. وهنا انتقل الإعلام من دور التثقيف إلى دور أعمق هو (صناعة الوعي) ولاحظ الفارق
إن التثقيف يقدّم معلومة، أما صناعة الوعي فتبني إدراكًا.
التثقيف يخاطب العقل، أما صناعة الوعي فتخاطب العقل والوجدان معًا !
ولهذا بات الإعلام مطالبًا بشرح التعقيدات، وربط الأحداث بسياقاتها، ومساعدة المتلقي على الفهم، لا الاكتفاء بعرض الوقائع المجردة وهو دور الوظيفة الإعلامية بعد التحول إلى عصر الإعلام المدمج
إذن ما هو دور المسؤول الإعلامي في عملية إيقاظ الوعي؟
المسؤول الإعلامي اليوم لا يدير محتوى فقط، بل يدير رسالة متكاملة حيث أن كل قرار تحريري، وكل اختيار للضيوف، وكل صياغة للخبر، يترك أثرًا مباشرًا في وعي الجمهور.
ومن هنا، تتمثل مسؤوليته في:
🔸حماية المهنية والصدق.
🔸مقاومة التسطيح والتهويل.
🔸فتح مساحات للنقاش والاختلاف.
🔸تقديم الخبراء والمحللين الحقيقيين بدل الباحثين عن الإثارة.
🔸إدراك أن الإعلام ليس سباق مشاهدة فقط، بل مسؤولية مجتمعية أو رسالة كما أسلفنا
خاتمة
دعونا نتفق أن معركة الوعي هي المعركة الأهم في زمننا الراهن، لأنها معركة على العقول قبل أن تكون معركة على الأرض والنفوذ المادي .
والإعلام يقف في قلب هذه المعركة، قادرًا على أن يكون أداة تنوير، أو وسيلة تغييب. وبين واقع إعلامي مأزوم في كثير من جوانبه، ومأمول ليكون مشروعا تسعى إليه المجتمعات، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يختار الإعلام أن يكون شريكًا في بناء وعي نقدي حر… أم يكتفي بدور المُوجِّه الذي يُفكِّر بدلًا من الناس؟
سؤال إجابته مطروحة للنقاش!

زر الذهاب إلى الأعلى