مقالات الرأى

د خالد غانم يكتب: فلسفة وأعدوا .. من لطائف السلام إلى صناعة المجد

مقالات للرأي

منذ أن وطئت قدم الإنسان هذه الأرض، ومعارك الحياة لا تتوقف؛ فقضية الصراع بين الخير والشر سنة كونية عميقة الجذور، جلية المعالم، تمتد خطوطها الأولى من لحظة صراع إبليس مع أبينا آدم عليه السلام، لتتجسد بعدها في مأساة هابيل وقابيل، حيث نطق الخير بأبهى الصور: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين).
من هنا، يعلمنا الإسلام أن نكون أولي حذر وفطنة، فلا ننخدع بالأماني ولا ننام في حضرة الخطر. غير أن هذا الحذر لا يعني التعطش للدماء؛ فالإسلام دين صلاح لا فساد، يبني الإنسان ولا يهدم بنيان الرب. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: “لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية”. بل إن السيرة النبوية لتكشف عن نُفرة شريفة من كلمة “الحرب” لما تحمله من هموم وكروب؛ فحينما ولد الحسن والحسين رضي الله عنهما وأراد أبوهما علي كرم الله وجهه أن يسميهما “حربا”، بدل النبي صلى الله عليه وسلم الاسم إلى “حسن” و”حسين”، ليغرس في القلوب سلما ورحمة، ويمحو من الأذهان ظلال الشر والخصام.
وإذا كان السلام هو الغاية، فإن “الإعداد” هو السياج الذي يحميه؛ ومن هنا يتجلى المنهج الإلهي في قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). والإعداد في عمقه البلاغي والفكري يرتكز على بعدين رئيسين:
الأول: إعداد الروح والبنيان؛ ببناء نفس زكية تربط صلتها بالله، وتتزود بالإيمان الذي هو عماد القوة. فالمؤمن القوي -كما أخبر الصادق المصدوق- خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف؛ قوة تبعث على العمل، وتنفي العجز، وتتسامى عن الندم واحتجاجات “لو” الشيطان.
الثاني: إعداد العقل والعمل؛ فالقوة تأخذ أشكالا شتى، أهمها القوة الاقتصادية والمعرفية التي تجعل يد الأمة هي العليا. ولنا في نبي الله نوح عليه السلام أسوة حسنة؛ فقد جمع بين شرف النبوة وإتقان الصنعة، حينما أُمر بصنع السفينة في وسط الصحراء: (واصنع الفلك بأعيننا وحينا). كانت محنة طاحنة وطوفانا كالجبال، لكن الأخذ بالأسباب الممكنة مع التوكل على الله كان هو طوق النجاة الذي جدد الحياة على كوكب الأرض.
إن الإعداد الحقيقي يبدأ من سؤال يبحث عن العلم، وقلب يفهم المقاصد، كما كان ابن عباس يطلب العلم “بلسان سؤول، وقلب عقول”، وكما كان حذيفة بن اليمان يسأل عن الشر ليتقيه. هو إعداد يقوم على بث الخير، وإعانة الصانع، وكف الأذى عن الناس، ليعيش الإنسان إيجابيا يرنو للمستقبل بأمل، متمسكا بمكارم الأخلاق، يعرف في الأنام بفصله، ويصبر على حلو الزمان ومره.
ومن وحي هذا المفهوم الشامل للإعداد، يستلهم الإنسان من تاريخه أمجادا تضيء له الحاضر والمستقبل. وما يوم “السادس من أكتوبر” في تاريخ مصر إلا حلقة ناصعة من حلقات هذا الإعداد؛ حيث التقى إيمان القلوب بعزيمة الساعد، واحتضن الوطن جنوده الأبرار على الجبهة، يدعمهم رجال أمن في الداخل، ودعاء أمة تلهج بالنصر، فتحقق الوعد الإلهي: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد).
إن العبور الذي شهده التاريخ لم يكن نهاية المطاف، بل كان بادئة لعبور آخر نحو “جمهورية جديدة”، تعيد صياغة الحضارة، وتبني الإنسان، وتُعمر الأرض. هذا هو الترجمة الحقيقية للأمر الإلهي (وأعدوا)؛ إعداد لا يستكين، وبناء لا يتوقف، ليبقى الوطن عزيزا، حرا، وآمنا بإذن الله.

زر الذهاب إلى الأعلى