مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: فقاعة الثانوية العامة وصداع كل عام!

مقالات للرأي

 

لست أدري لماذا تُحاط الثانوية العامة في مصر بكل هذه الهالة، وكأنها معركة مصيرية لا بد أن يتوقف عندها المجتمع بأكمله عاماً بعد عام .. أسئلة ونتائج وتنسيق وكليات ومجاميع، وقلق يسيطر على الطلاب وأولياء الأمور، وإعلام يتابع التفاصيل لحظة بلحظة، حتى تحولت الثانوية العامة من مجرد مرحلة تعليمية تفصل بين التعليم العام والتعليم العالي إلى قضية مجتمعية ضخمة تتجاوز حجمها الطبيعي!

واللافت أن الثانوية العامة في كثير من دول العالم لا تحظى بهذا القدر من الضجيج والقلق. إنها سنة دراسية مهمة بطبيعة الحال، لكنها تظل في إطارها الطبيعي باعتبارها مرحلة انتقالية من التعليم العام إلى التعليم الجامعي أو المهني، وليست امتحاناً يحدد قيمة الإنسان ومستقبله بالكامل.

ومن هنا أعتقد أن مشكلة الثانوية العامة في مصر لا يمكن فصلها عن مشكلة أعمق وأشمل، هي الخلل في منظومة التعليم نفسها وحتى نحصر النقاش في إطاره الموضوعي، أطرح ثلاثة أسئلة أراها مفتاحاً لفهم الأزمة:
▪️أين ذهب المدرس الأكاديمي التربوي؟

▪️ولماذا أصبحت المدرسة في كثير من الأحيان مجرد مكتب لتسجيل أسماء الطلاب الذين يدفعون الرسوم والمصروفات ؟

▪️ولماذا تحول التعليم إلى استثمار مالي وسلعة تقاس بالنقود، بدلاً من أن يكون استثماراً في الفكر والابتكار وبناء الإنسان؟

الإجابة الصريحة عن هذه الأسئلة الثلاثة يمكن أن تقودنا إلى فهم لماذا يعيش طلاب الثانوية العامة وأولياء أمورهم داخل ما يشبه «فقاعة من الوهم» ؟ .

▪️أين ذهب المدرس؟
المدرس ليس مجرد شخص يشرح منهجاً ويضع امتحاناً ويحصل على أجر. المدرس في جوهر العملية التعليمية هو المربي والأكاديمي وصانع الشخصية، وهو الذي يستطيع أن يكتشف موهبة الطالب ويوجهها، وأن يحول المعلومة إلى معرفة، والمعرفة إلى تفكير، والتفكير إلى قدرة على الابتكار.
لكن عندما يتراجع الدور الحقيقي للمدرس داخل المدرسة، يبحث الطالب عن بديل خارجها. وهنا تبدأ دائرة جديدة من الدروس الخصوصية والمجموعات التعليمية والمنصات المختلفة، ويصبح السؤال ليس: ماذا تعلم الطالب؟ وإنما: كم دفع لكي يحصل على الدرجة؟
وهكذا يتحول المدرس تدريجياً من عنصر أساسي داخل منظومة تعليمية متكاملة إلى مقدم خدمة تعليمية مدفوعة في سوق مفتوح.

▪️أين دور المدرسة.. ؟
إذا كانت المدرسة هي المؤسسة التي يفترض أن تحتضن العملية التعليمية، فإن تراجع دورها يخلق فراغاً لا بد أن يملأه طرف آخر.
المدرسة ليست مبنى وفصولاً ومقاعد ودفاتر حضور وانصراف. المدرسة هي البيئة التي يتعلم فيها الطالب كيف يفكر، وكيف يختلف، وكيف يناقش، وكيف يعمل مع الآخرين، وكيف يتحمل المسؤولية.
أما إذا اختزل دورها في تسجيل أسماء الطلاب وإثبات الحضور الشكلي والغياب أصبح أمرا معتادا ، بينما تتم عملية التعليم الفعلية في أماكن أخرى، إذن نحن أمام خلل جوهري في فلسفة التعليم وليس مجرد مشكلة شهادة الثانوية العامة.
والأخطر أن هذا الوضع يجعل الأسرة تنظر إلى المدرسة باعتبارها مقرا إداريا لا معها تعليميا بينما يصبح المدرس خارج المدرسة هو صاحب التأثير الأكبر في مستقبل الطالب

▪️عندما يصبح التعليم سلعة
هنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية.
التعليم بالتأكيد يحتاج إلى إنفاق واستثمار، لكن الفارق كبير بين أن يكون التعليم استثماراً في الإنسان وأن يتحول إلى استثمار مالي قائم بذاته.
عندما يصبح نجاح الطالب مرتبطاً بحجم الإنفاق على الدروس والمراجعات والمذكرات والمنصات، فإننا نبتعد تدريجياً عن فلسفة التعليم ونقترب من مفهوم السوق.
وفي هذه الحالة لا يعود الطالب مشغولاً بما تعلمه فعلاً، وإنما بما يحتاجه للحصول على الدرجة التي تؤهله للمرحلة التالية ناهيك عن مشكلات وتصنيفات المدارس بين حكومية ودولية !

وهنا تتشكل «فقاعة الثانوية العامة»: الطالب يعتقد أن مجموعه هو مقياس قدرته، والأسرة تعتقد أن الكلية التي سيدخلها ابنها هي وحدها معيار نجاح حياته ويربط المجتمع المكانة الاجتماعية بالدرجات والشهادات !

لكن الحقيقة أن الحياة أكبر كثيراً من ورقة إجابة، وأن الإنسان لا يمكن اختزاله في مجموع حصل عليه في امتحان خلال عدد من الايام
الحل ليس في الثانوية العامة وحدها إنما في تغيير مفهوم من الثانوية العامة نفسه من حيث
و تعديل أسلوب أسئلة الامتحانات ، و تغيير قواعد القبول بالجامعات !
نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للمدرس، وإعادة المدرسة إلى قلب العملية التعليمية، وإعادة تعريف وظيفة التعليم نفسها.
نحتاج إلى مدرس مؤهل أكاديمياً وتربوياً، ومدرسة قادرة على تقديم تعليم حقيقي، ومناهج تبني العقل بدلاً من أن تثقل ذاكرة الطالب، وامتحانات تقيس الفهم والتحليل والقدرة على التفكير، لا مجرد القدرة على استرجاع المعلومات.
ونحتاج كذلك إلى أن يتوقف المجتمع عن صناعة «قدسية» زائفة حول الثانوية العامة.
الثانوية العامة ياسادة ليست نهاية العالم، وليست شهادة ميلاد للمستقبل، وليست حكماً نهائياً على قدرات الإنسان.
إنها ببساطة مرحلة من مراحل التعليم.
وإذا نجحنا في إعادة التعليم إلى وظيفته الأساسية، فسوف تتراجع تلقائياً فقاعة الثانوية العامة، ويتحول «صداع كل عام» إلى محطة طبيعية في رحلة الطالب نحو التعليم العالي والعمل والحياة.
المشكلة إذن ليست في الثانوية العامة وحدها، وإنما في منظومة جعلت مرحلة تعليمية عادية تبدو وكأنها معركة العمر.
تعالوا نخرج من الفقاعة أولاً.. ثم نبحث عن إصلاح الثانوية العامة !

زر الذهاب إلى الأعلى