مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: الساعات ال 96 الأخطر يوم أن قلنا للإخوان ” لا “

مقالات للرأي

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تُقاس بالزمن، بل بما تتركه من أثر في مستقبلها. ومن بين تلك اللحظات، تبقى الأيام الأربعة – من 30 يونيو إلى 3 يوليو 2013 – من أخطر الفترات في التاريخ المصري الحديث.
ومع مرور 13 عامًا على تلك الأحداث، عدت إلى كتابي “اللحظات الحاسمة… شهادة من قلب ماسبيرو” الصادر عام 2015، لأستعيد تفاصيل عشتها لحظة بلحظة، وشهدت خلالها كيف كانت تُدار الدولة، وكيف خاض الإعلام الوطني معركة لا تقل خطورة عن أي معركة أخرى عسكرية أو سياسية !
في تلك الصفحات سجلت شهادتي عن كيفية اتخاذ القرار في عهد جماعة الإخوان، ولماذا فقدت شرعية الرئيس محمد مرسي سندها الشعبي مبكرًا، وما جرى داخل ماسبيرو قبل بيان 3 يوليو، وكيف تعامل قطاع الأخبار مع واحدة من أعقد التغطيات في تاريخ التليفزيون المصري !
كان 30 يونيو يومًا فارقًا؛ خرج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين رفضًا لاستمرار الأوضاع القائمة، تعبيرًا عن غضب شعبي تراكم طوال عام كامل، مع سياسات مرتبكة، واقتصاد متعثر، واستقطاب مجتمعي غير مسبوق.
وداخل ماسبيرو، كان المشهد شديد التوتر. كنا مطالبين بنقل ما يجري بمهنية، مع إدراك حساسية اللحظة.
قسمنا الشاشة لنقل المظاهرات في المحافظات، واعتمدنا على المراسلين والتصوير الجوي، بينما استمرت اعتصامات أنصار الإخوان في رابعة العدوية ومحيط جامعة القاهرة.
وفي 1 يوليو حدثت واقعة لا أنساها؛ أُخرج فريق الأخبار من عربات الإذاعة الخارجية في رابعة، لكن الصورة استمرت في الوصول إلى ماسبيرو، ثم استُخدمت في بث مباشر عبر قناة الجزيرة ما يعني أنه تم الاستيلاء على هذه العربات بالقوة !
وفي 2 يوليو تلقيت رسالة قصيرة على هاتفي لاجتماع عاجل في إعلام الرئاسة بقصر القبة،واستشعرت أن غدرا ما سوف يحدث لذلك تجاهلت الرسالة وبقيت في مكتبي داخل ماسبيرو، حيث لم أغادره لأكثر من أسبوع، وكانت الأولوية إدارة العمل الإعلامي في تلك اللحظة الفاصلة بهدوء وفاعلية ومهنية!
وجاء 3 يوليو. كانت الأسئلة داخل المبنى كثيرة: هل سيُذاع بيان منتظرا مباشرة أم مسجلًا؟ واذا كان مسجلا متى وكيف يصل المبنى ؟
وعندما دقت التاسعة مساءً، وصل الشريط إلى استوديو 11، ثم أذيع بيان وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي، لتنقله شاشات التليفزيون المصري والقنوات العربية والعالمية، وتدخل مصر مرحلة جديدة.
في تلك اللحظة شعرت بأن رحلة امتدت نحو 40 عامًا في العمل الإعلامي بلغت ذروتها.
لم يكن هذا إحساسًا بانتصار شخصي، بل كان شعورًا بأداء الواجب الوطني والمهني في واحدة من أصعب اللحظات على مصر !.
ورسخ لدي أن إدارة السياسة الإعلامية في تلك الفترة لم تكن سهلة، لذلك كنت اقول دائمًا لزملائي “دعوا الآخرين يقولون ما يريدون، أما أنتم فالتزموا بالمهنية، فهي الحماية الحقيقية لكم.” وقد أثبتت الأيام صحة هذا المبدأ.
ومن هذه التجربة خرجت بدروس كثيرة، أهمها أن الرؤية الواضحة أساس النجاح، وأن التخطيط ضرورة،
وأن التردد في اتخاذ القرار في الأزمات قد يكون بداية السقوط، وأن الإعلام جزء من الأمن القومي، عليه أن يؤدي دوره باستقلالية ومسؤولية.
ومع بزوغ فجر 4 يوليو، غادرت مكتبي بعد غياب عن منزلي لأكثر من أسبوع. شعرت أن صفحة قد طويت، وأن الراية يجب أن تنتقل إلى جيل جديد يواصل البناء ويخوض التحدي باقتدار !
و ستظل تلك الساعات الست والتسعون بالنسبة لي تجربة وطنية ومهنية وإنسانية، علمتني أن الإعلام الحقيقي يُقاس بالمسؤولية حين يكون الوطن كله على المحك ليصنع عزة وفخرا بل يصبح على موعد مع التاريخ!

زر الذهاب إلى الأعلى