مقالات الرأى

لواء د. احمد زغلول مهران يكتب: سمعة الواجهة السياحية بين الإنجاز الحضاري وتحديات الممارسة اليومية.. كيف تحمي مصر اقتصادها السياحي من الاستغلال غير المنظم؟

تحرير|خالد غانم

حين تصبح التجربة الفردية قضية وطنية

تمتلك مصر رصيداً حضارياً وإنسانياً استثنائياً يجعلها واحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم فمنذ آلاف السنين كانت أرض الحضارات ومهداً للتراث الإنساني ولا تزال حتى اليوم تحتفظ بمكانة فريدة تجمع بين التاريخ والثقافة والطبيعة والموقع الجغرافي المتميز غير أن صناعة السياحة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على امتلاك المقومات الطبيعية أو الأثرية بل أصبحت ترتكز بصورة متزايدة على جودة التجربة التي يعيشها السائح منذ لحظة وصوله وحتى مغادرته فالسائح المعاصر لا يزور المواقع التاريخية فحسب بل يُقيم مستوى الخدمات ودرجة الشفافية وسهولة التنقل والشعور بالأمان والاحترام ومن هنا تبرز أهمية معالجة بعض الممارسات الفردية السلبية التي قد يتعرض لها بعض الزائرين في عدد من المناطق السياحية سواء فيما يتعلق بالمغالاة في الأسعار أو الإلحاح المفرط في تقديم الخدمات أو استغلال عدم معرفة السائح بالأسعار المحلية وهي ممارسات لا تعبر عن المجتمع المصري المعروف بحسن الضيافة والكرم لكنها تترك آثاراً تتجاوز حجمها الفعلي لتؤثر على الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري السياحة الحديثة اقتصاد السمعة قبل اقتصاد الخدمات في العقود الماضية كانت الدول تروج لمقاصدها السياحية عبر الحملات الدعائية التقليدية أما اليوم فإن تقييماً واحداً على منصة سفر عالمية أو مقطع فيديو قصير على وسائل التواصل الاجتماعي قد يكون أكثر تأثيراً من ملايين الدولارات التي تنفق على التسويق وأصبحت السمعة السياحية اصلاً اقتصادياً حقيقياً لا يقل أهمية عن الفنادق والمطارات والطرق والبنية التحتية فالسائح الذي يشعر بالاحترام والشفافية يتحول إلى سفير غير رسمي للدولة بينما يتحول السائح الذي يتعرض لتجربة سلبية إلى ناقل لانطباعات قد تؤثر على قرارات مئات أو آلاف الأشخاص الآخرين ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في قيمة المبلغ الذي قد يخسره سائح هنا أو هناك بل في تكلفة الصورة الذهنية السلبية التي قد تتشكل عن المقصد السياحي بأكمله .

*بين الإنجاز الحضاري وبعض الممارسات الفردية*

حققت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة إنجازات كبيرة في تطوير البنية السياحية وإنشاء المتاحف الحديثة وتطوير الطرق والمطارات والموانئ وإطلاق مشروعات قومية رفعت من القدرة التنافسية للقطاع السياحي لكن هذه الجهود الكبرى قد تتأثر أحياناً بممارسات فردية محدودة تحدث في بعض المناطق السياحية أو التجارية أو الخدمية فقد يواجه بعض الزوار محاولات للمغالاة في الأسعار أو ضغوطاً متكررة لشراء منتجات أو خدمات أو عروضاً غير واضحة التكلفة وهو ما يخلق شعوراً بعدم الارتياح لدى السائح حتى وإن كانت التجربة السياحية في مجملها إيجابية وتكمن الخطورة في أن السائح لا ينقل التفاصيل الدقيقة لما حدث بل ينقل إحساسه العام بالتجربة وهو ما يجعل معالجة هذه الظواهر ضرورة استراتيجية وليست مجرد مسألة تنظيمية .

*النقل غير المنظم •• التحدي الأكثر تأثيراً*

إذا كانت بعض الممارسات تحدث داخل المواقع السياحية فإن قطاع النقل يمثل نقطة الاحتكاك اليومية الأكثر تأثيراً في تجربة الزائر ففي بعض الحالات يواجه السائح صعوبة في معرفة التكلفة الحقيقية للرحلة قبل بدايتها سواء عند استخدام سيارات الأجرة التقليدية أو بعض وسائل النقل الفردية أو الخدمات غير المنظمة وقد يجد نفسه مضطراً للتفاوض على الأجرة أو مواجهة أسعار متفاوتة لنفس المسافة وهو ما يخلق انطباعاً بغياب الشفافية حتى وإن كانت غالبية العاملين في القطاع يلتزمون بالقواعد المهنية وتزداد المشكلة عندما يكون السائح غير قادر على التمييز بين السعر العادل والسعر المبالغ فيه أو عندما يفتقد إلى مرجع رسمي يمكنه الاعتماد عليه لمعرفة التكلفة الحقيقية للخدمة وهنا تصبح المسألة مرتبطة بصورة الدولة أكثر من ارتباطها بقيمة الرحلة نفسها .

*ماذا تفعل الدول المنافسة؟*

تُظهر تجارب الدول السياحية الناجحة أن أحد أسرار نجاحها يكمن في إزالة عنصر المفاجأة من تجربة السائح ففي العديد من المدن السياحية العالمية أصبحت تكلفة النقل معروفة مسبقاً والأسعار معلنة وأنظمة الشكاوى متاحة بسهولة والرقابة الرقمية قادرة على اكتشاف المخالفات بسرعة كما أن الاعتماد على التطبيقات الذكية ومنظومات الدفع الإلكتروني أسهم في تقليل الخلافات المرتبطة بالأسعار وتعزيز الثقة بين مقدم الخدمة والمستهلك ولم تحقق هذه الدول نجاحها عبر العقوبات فقط بل من خلال بناء ثقافة مؤسسية تعتبر السائح استثماراً طويل الأجل وليس فرصة لتحقيق مكاسب سريعة .

*التكلفة الاقتصادية للاستغلال غير المنظم*

قد يبدو للبعض أن استغلال السائح يحقق ربحاً سريعاً لفرد أو منشأة أو مقدم خدمة لكن الحسابات الاقتصادية تؤكد أن الخسائر الوطنية أكبر بكثير من المكاسب الفردية فالسائح الراضي قد يعود مرة أخرى ويطيل مدة إقامته ويزيد إنفاقه ويشجع الآخرين على الزيارة أما السائح غير الراضي فإنه قد لا يعود مطلقاً وقد يشارك تجربته السلبية مع عدد كبير من الأشخاص عبر المنصات الرقمية المختلفة ومن هنا تتحول الواقعة الفردية إلى خسارة تراكمية تؤثر على الإيرادات السياحية وفرص العمل والاستثمارات المرتبطة بالقطاع .

*البعد الأمني والسياسي للظاهرة*

لا تقتصر آثار هذه الممارسات على الجانب الاقتصادي فحسب بل تمتد إلى أبعاد أمنية وسياسية وإعلامية فالتكرار المستمر للشكاوى قد يؤدي إلى تشكل انطباعات سلبية لدى المؤسسات الدولية وشركات السفر ومنصات التقييم العالمية كما أن بعض الحملات الإعلامية الخارجية قد تستغل هذه الوقائع الفردية لتقديم صورة غير دقيقة عن الواقع المصري وهو ما يجعل سرعة المعالجة والرقابة والشفافية أدوات ضرورية لحماية سمعة الدولة ومن ثم فإن التصدي لهذه الظاهرة يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي والقوة الناعمة للدولة .

*رؤية استراتيجية لمعالجة الظاهرة*

تتطلب مواجهة هذه الظاهرة الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الإدارة الاستباقية للمشكلة ويبدأ ذلك عبر بناء منظومة متكاملة تقوم على أربعة محاور رئيسية هى :

*١- الشفافية الكاملة للأسعار*

إلزام جميع الأنشطة المرتبطة بالسياحة بإعلان الأسعار بصورة واضحة ومفهومة بعدة لغات مع منع أي خدمات غير محددة التكلفة مسبقاً .

*٢- الرقمنة والحوكمة الذكية*

التوسع في استخدام التطبيقات الذكية والدفع الإلكتروني والعدادات الرقمية وربطها بمنصات رقابية قادرة على رصد المخالفات بشكل فوري .

*٣- التدريب المهني*

رفع كفاءة العاملين في القطاعات المرتبطة بالسياحة خاصة النقل والخدمات التجارية وتعزيز مهارات التواصل والتعامل مع الثقافات المختلفة .

*٤- سرعة الاستجابة للشكاوى*

إنشاء آليات سهلة ومباشرة تسمح للسائح بتقديم شكواه بلغته والحصول على استجابة فورية تعكس جدية الدولة في حماية حقوق الزوار .

*توصيات لمتخذ القرار*

١- إطلاق منصة وطنية موحدة لخدمات السائح تضم الشكاوى والتقييمات والمعلومات الإرشادية .

٢- تعميم استخدام رمز الاستجابة السريع (QR Code) في وسائل النقل والمحال والخدمات السياحية لعرض الأسعار الرسمية وتلقي الشكاوى .

٣- إلزام سيارات الأجرة العاملة بالمناطق السياحية بعدادات إلكترونية حديثة .

٤- التوسع في وسائل النقل الذكية والتطبيقات المعتمدة رسمياً .

٥- إنشاء قاعدة بيانات موحدة للمخالفات والشكاوى وربطها بإجراءات الترخيص والتجديد .

٦- تكثيف الحملات الرقابية بالمناطق ذات الكثافة السياحية المرتفعة .

٧- تنفيذ برامج توعية مجتمعية تؤكد أن حماية السائح تعني حماية مصدر رزق مستدام للمجتمع المحلي .

٨- استحداث مؤشر وطني لقياس رضا السائح ونشر نتائجه بصورة دورية .

٩- تكريم النماذج الإيجابية من العاملين في القطاع السياحي والخدمي .

١٠ – دراسة إنشاء “*المرصد الوطني للسائح*” لمتابعة وتحليل التجربة السياحية بشكل مستمر واقتراح التدخلات التصحيحية اللازمة .

*حماية السائح استثمار في مستقبل الوطن*

*فى النهايه ••*

إن مصر لا تواجه أزمة مقومات سياحية بل تمتلك من عناصر الجذب ما يجعلها في مصاف أهم الوجهات العالمية غير أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان أن تكون التجربة اليومية للزائر على مستوى عظمة التاريخ والحضارة المصرية فالسياحة لم تعد مجرد زيارة لموقع أثري أو شاطئ جميل بل أصبحت تجربة متكاملة تبدأ من الابتسامة الأولى وتنتهي بالانطباع الأخير وكل خطوة نحو مزيد من الشفافية والاحترافية والانضباط في تقديم الخدمات تمثل استثماراً مباشراً في الاقتصاد الوطني وفي سمعة الدولة وفي قدرتها على المنافسة عالمياً إن حماية السائح من أي شكل من أشكال الاستغلال ليست دفاعاً عن الزائر وحده بل دفاع عن صورة مصر وعن مستقبل قطاع استراتيجي يوفر فرص العمل ويعزز موارد الدولة ويجسد إحدى دعائم أدوات قوتها الناعمة أمام العالم .

بقلم لواء د. احمد زغلول مهران

المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية

زر الذهاب إلى الأعلى