مقالات الرأى

نهى المأمون تكتب: الهدر الذي لا يُحصى

مقالات للرأي

في ورشة عمل عن التغير المناخي، دار الحديث لساعات عن هدر الطاقة، وهدر المياه، وهدر الغذاء. كانت الأرقام صادمة، والصور مؤلمة، والحلول واضحة. لكن بينما كنت أتابع الجلسات، لفت انتباهي نوع آخر من الهدر لم يتوقف عنده أحد… هدر الوقت.
بدأت إحدى الجلسات بعد موعدها بساعتين، وتأخرت أخرى قرابة ثلاث ساعات. عشرات المشاركين، منظمون، ومتحدثون، جميعهم كانوا ينتظرون. وقت ضائع لا يمكن استرداده. عندها راودني سؤال بسيط: كيف نتحدث عن استدامة الموارد، بينما نهدر أثمن مورد نملكه جميعًا؟
المال يمكن تعويضه، والطاقة يمكن إنتاجها، والطعام يمكن زراعته من جديد، أما الوقت فهو المورد الوحيد الذي لا يقبل التجديد. الدقيقة التي تمر لا تعود، والثانية التي تضيع لا يمكن استردادها مهما بلغت ثروات العالم.
المفارقة أن المجتمعات كثيرًا ما تتسامح مع هدر الوقت أكثر من أي نوع آخر من الهدر. نتأخر عن الاجتماعات، ونؤجل المواعيد، ونعتبر الانتظار أمرًا طبيعيًا، وكأن وقت الآخرين أقل قيمة من وقتنا. وفي الجامعات تتأخر المحاضرات، وفي أماكن العمل تمتد الاجتماعات بلا أجندة واضحة، وفي حياتنا اليومية نقضي ساعات في الانتظار أو في إجراءات كان يمكن إنجازها خلال دقائق لو وُجد احترام حقيقي للوقت.
وليس هذا مجرد انطباع شخصي، بل تؤكده الدراسات. فقد أظهرت دراسة صادرة عن المركز الأمريكي للإنتاجية والجودة (APQC) أن العاملين في الوظائف المعرفية يفقدون نحو ربع أسبوع العمل بسبب معوقات الإنتاجية، من بينها الاجتماعات غير الضرورية وصعوبة الوصول إلى المعلومات. وتشير تقديرات أخرى إلى أن الاجتماعات غير الفعالة تهدر ما يقارب 24 مليار ساعة عمل سنويًا حول العالم، وأن متوسط تأخير الاجتماع الواحد يتجاوز عشر دقائق، وهو ما يتراكم ليصبح أيامًا كاملة مهدرة لكل موظف سنويًا.
لهذا لم يعد الوقت قضية شخصية تتعلق بالانضباط، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية. فـ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تخصص قواعد بيانات كاملة لدراسة كيفية استخدام الأفراد لوقتهم، لأن توزيع الوقت يرتبط مباشرة بالإنتاجية، والرفاه، وجودة الحياة، وكفاءة المؤسسات. كما أن الهدف الثامن من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، المعني بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، يقوم في جوهره على رفع الإنتاجية وكفاءة استخدام الموارد، والوقت هو أول هذه الموارد وإن لم يُذكر بالاسم.
ولعل المشكلة الأكبر أن هدر الوقت ينتقل بالعدوى. عندما تبدأ فعالية متأخرة، يتعلم المشاركون أن الالتزام ليس ضروريًا. وعندما يتأخر المسؤول، يصبح التأخير ثقافة. وعندما يعتاد الطالب أن المحاضرة لن تبدأ في موعدها، يفقد احترامه للمواعيد. وهكذا يتحول الهدر من سلوك فردي إلى ثقافة مجتمعية كاملة.
احترام الوقت ليس رفاهية، وليس تقليدًا مستوردًا، بل هو احترام للإنسان نفسه. فعندما ألتزم بموعدي، فأنا لا أُظهر حسن التنظيم فحسب، بل أعترف ضمنًا بأن وقت الآخر يساوي وقتي، وأن عمره لا يقل قيمة عن عمري.
ربما نحتاج أن نضيف إلى قاموس الاستدامة بندًا جديدًا: استدامة الوقت. فكما نحاسب أنفسنا على إطفاء مصباح لا نحتاجه، أو على إهدار كوب ماء، علينا أن نحاسب أنفسنا أيضًا على ساعة انتظار فرضناها على الآخرين بلا مبرر.
لأن الأمم لا تُقاس فقط بما توفره من موارد، بل بما تحسن استخدامه منها. وأخطر أنواع الهدر… هو ذلك الذي يحدث كل يوم، ولا يراه أحد، لأنه يُقاس بالدقائق لا بالأطنان.

زر الذهاب إلى الأعلى