مقالات الرأى

لواء دكتور احمد زغلول مهران يكتب: مباراة كرة قدم وحَّدت العالم •• فهل تكون بدايةً لوحدة العرب في مواجهة العنصرية؟ حين أصبحت كرة القدم اكبر من مجرد تسعين دقيقة

مقالات للرأي

لم تكن المباراة التي جمعت المنتخبين المصري والأرجنتيني مجرد مواجهة كروية ضمن منافسات كأس العالم ولم تكن قصة المواطن اليمني في أحد المطارات حادثة فردية عابرة بل إن الحدثين على اختلاف ساحتيهما يكشفان سؤالاً واحداً يواجه المجتمع الدولي اليوم هل أصبح الإنسان يُقيَّم بجواز سفره؟ وهل أصبحت العدالة تُقاس بقوة الطرف الذي يقف أمامنا؟

قد تبدو المسافة بعيدة بين مطار دولي ومستطيل أخضر لكن الحقيقة أن الرابط بينهما هو قيمة واحدة لا يجوز أن تخضع للمساومة وهي العدالة فالعدالة لا تتجزأ فإذا اهتزت في المطارات اهتزت معها كرامة الإنسان وإذا اهتزت في الملاعب اهتزت معها ثقة الشعوب في الرياضة ورسالتها .

المواطن اليمني •• ضحية وطن أنهكته الحرب لا ضحية هويته

القصة التي تداولها كثيرون عن المواطن اليمني تستحق أن تُقرأ بعيداً عن الانفعال فهذا المواطن لم يشتكِ من تطبيق القانون ولم يعترض على الإجراءات الأمنية وإنما عبّر عن ألمٍ شعر به عندما تغيرت طريقة التعامل معه بصورة لافتة بعد إبراز جواز سفر آخر وهنا تكمن القضية .

فالمواطن اليمني اليوم يحمل على كتفيه آثار حرب طويلة وانقسام سياسي وتراجع مؤسسات الدولة وانعكاسات ذلك على مكانة وثيقته الرسمية في العالم ولذلك أصبح كثير من اليمنيين يواجهون تدقيقاً إضافياً وإجراءات أكثر تعقيداً أثناء السفر إن من حق كل دولة أن تتخذ ما تراه مناسباً من إجراءات أمنية لكن ليس من حق أحد أن تتحول هذه الإجراءات إلى انتقاص من كرامة الإنسان أو إلى أحكام مسبقة مبنية على جنسيته فالإنسان لا يختار موطن ميلاده ولا يجوز أن يدفع ثمن ظروف سياسية لم يكن صانعاً لها .

من المطارات إلى الملاعب •• العدالة قيمة واحدة

عندما تابع ملايين العرب مباراة مصر والأرجنتين لم تكن مشاعرهم مرتبطة فقط بنتيجة اللقاء بل بما شعر به كثير من المتابعين من حاجة إلى مزيد من الوضوح والشفافية في بعض القرارات التحكيمية وفي طريقة عرض بعض اللقطات المثيرة للجدل أثناء البث ومن المهم هنا التفريق بين أمرين :

الأول •• أن الأخطاء التحكيمية جزء من كرة القدم وقد تقع في أي مباراة .

والثاني •• أن شعور الجماهير بغياب الوضوح في بعض الحالات يستحق أن يؤخذ على محمل الجد لأن ثقة الجمهور عنصر أساسي في قوة اللعبة .

فالرياضة العالمية لا تكتفي بأن تكون عادلة بل يجب أن تبدو عادلة أيضاً من خلال تحكيم شفاف وتقنيات مراجعة واضحة وبث يتيح للمشاهدين فهم القرارات المثيرة للجدل دون انتقائية .

إن أي نقاش حول التحكيم أو الإخراج التلفزيوني ينبغي أن يكون هدفه تحسين المنظومة لا التشكيك في الأشخاص لأن قوة المؤسسات الرياضية تكمن في قدرتها على المراجعة والتطوير المستمر .

رسالة حملها المنتخب المصري •• ورسالة حملها العرب جميعاً

وسط أجواء البطولة برزت مواقف أكدت أن كرة القدم ليست مجرد منافسة بل منصة إنسانية تعكس وجدان الشعوب وكان ظهور علم فلسطين أحد المشاهد التي حملت رسالة تضامن إنساني مؤكدة أن القضايا العادلة تبقى حاضرة في ضمير كثير من الشعوب وأن الرياضة يمكن أن تكون مساحة للتعبير السلمي عن القيم الإنسانية في إطار من الاحترام المتبادل وهنا تتجاوز الرسالة حدود منتخب بعينه لتصبح رسالة أمة تؤمن بأن الكرامة الإنسانية والعدالة والسلام قيم لا تتعارض مع روح المنافسة الرياضية .

هل تكون هذه المباراة بداية لوحدة عربية جديدة؟

ربما تكون القيمة الحقيقية لهذه المباراة أنها أعادت تذكير العرب بأنهم رغم اختلاف دولهم ولهجاتهم يجتمعون سريعاً عندما يتعلق الأمر بالكرامة والعدالة لكن هذه الوحدة يجب ألا تكون موجهة ضد أحد ولا قائمة على الانفعال بل على مشروع حضاري يدعو إلى الاتى :

١- رفض جميع أشكال العنصرية والتمييز .
٢- الدفاع عن كرامة الإنسان أياً كانت جنسيته .
٣- دعم النزاهة والشفافية في المنافسات الرياضية .
٤- تعزيز حضور الكفاءات العربية في المؤسسات الرياضية الدولية .
٥- استخدام الرياضة كجسر للحوار والتفاهم بين الشعوب لا كساحة للاستقطاب .

إن الأمة العربية تمتلك من التاريخ والثقافة والطاقات البشرية ما يؤهلها لأن تكون شريكاً فاعلاً في ترسيخ هذه القيم وأن تسهم في تطوير الرياضة العالمية بوصفها رسالة للسلام والاحترام المتبادل لا مجرد منافسة على الألقاب ومن هنا فإن هذه المباراة قد تكون فرصة لإطلاق حوار عربي ودولي أوسع حول العدالة والشفافية وحول كيفية جعل الرياضة نموذجاً يُحتذى في المساواة بحيث يشعر كل لاعب وكل مشجع أن القانون يُطبق على الجميع بالمعيار نفسه وأن الإنسان يُحترم لكونه إنساناً قبل أي اعتبار آخر .

زر الذهاب إلى الأعلى