دكتور فايد محمد سعيد يكتب: الإمام علي زين العابدين… الرجل الذي هزم الكراهية
مقالات للرأي

كل أمةٍ تبحث عن رموزٍ تلهم أبناءها، وتغرس فيهم القيم التي تبني الإنسان وتصنع الحضارة. والعالم اليوم، بعد ما شهده من حروبٍ وصراعاتٍ واستقطابٍ غير مسبوق، بات أكثر حاجةً إلى نماذج تعلم الناس كيف ينتصرون على الكراهية، وكيف يحولون الألم إلى أمل، والجراح إلى رسالة، والمحنة إلى بداية جديدة.
وفي تراثنا الإسلامي يقف أحد أعظم هذه النماذج، لكنه – مع الأسف – لم ينل من التعريف والاهتمام ما يستحقه، ليس بين غير المسلمين فحسب، بل حتى في الخطاب الإسلامي نفسه.
إنه الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، زين العابدين رحمه الله.
كلما جاءت ذكرى عاشوراء، انشغل الناس بالحديث عن تفاصيل كربلاء، وعن أحداثها وآلامها، وعن الخلافات التي أحاطت بها عبر التاريخ، بينما غاب عن كثير من الناس الحديث عن أعظم ثمرة خرجت من تلك المحنة؛ الإنسان الذي علّم الأمة كيف تعيش بعد المأساة دون أن تستسلم للكراهية.
لقد عاش الإمام علي زين العابدين ما يكفي ليصبح أكثر الناس حقدًا على من ظلمه.
شهد استشهاد والده الإمام الحسين رضي الله عنه، ورأى أهل بيته وأصحابه يُقتلون أمام عينيه، وشهد النساء والأطفال يُساقون أسرى، وكان هو نفسه مريضًا لا يملك أن يدفع عنهم شيئًا.
ولو قضى بقية حياته يدعو إلى الثأر، لعذره كثير من الناس.
ولو جعل من الانتقام مشروع حياته، لوجد من يصفق له.
لكنه كان تلميذ القرآن، وحفيد رسول الله ﷺ.
فأدرك أن رسالة الإسلام أكبر من أن تختزل في ردود الأفعال، وأن المؤمن لا يسمح للمحنة أن تصنع منه إنسانًا يعيش أسيرًا للماضي.
خرج من كربلاء يحمل القرآن، ولم يخرج يحمل الكراهية.
وحمل رسالة العبادة، ولم يحمل رسالة الانتقام.
ولهذا عُرف بين المسلمين بزين العابدين والسجاد، لأن الناس رأوا أثر سجوده لله، وطول قيامه، وسمو صلته بربه، أكثر مما سمعوا منه حديثًا عن جراحه وآلامه.
وهنا تتجلى عظمة التربية القرآنية.
قال الله تعالى:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
وقال سبحانه:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34-35].
لقد كان الإمام زين العابدين ترجمةً حيةً لهذه الآيات، فلم يسمح للظلم أن يحوله إلى ظالم، ولا للألم أن يحوله إلى إنسان يقتات على الأحقاد.
وهذا هو الفارق بين الإنسان الذي تحكمه الجراح، والإنسان الذي يحكمه الوحي.
إن الإسلام لا يطلب من الإنسان أن ينسى الظلم، ولا أن يتنازل عن العدالة، فالعدل من أعظم مقاصد الرسالات السماوية، لكنه يرفض أن تتحول العدالة إلى انتقام، وأن يصبح الماضي سجنًا يُحبس فيه المستقبل.
ولهذا قال رسول الله ﷺ:
«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.»
رواه البخاري ومسلم.
وقال ﷺ:
«ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.»
رواه مسلم.
ولم يكن الإمام علي زين العابدين إلا امتدادًا لهذه المدرسة النبوية.
إنه امتداد ليوسف عليه السلام، الذي وقف أمام إخوته بعد كل ما صنعوه به فقال:
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: 92].
وامتداد لجده رسول الله ﷺ، الذي عاد إلى مكة بعد سنوات من الإيذاء والحروب، فلم يجعل يوم الفتح يوم انتقام، بل جعله يوم رحمة، تحقيقًا لقوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
ومن هنا أقول بكل أسف: لقد قصّرنا كثيرًا في التعريف بهذه الشخصية العظيمة.
لقد تحدثنا طويلًا عن المأساة، ولم نتحدث بما يكفي عن الإنسان الذي تجاوزها. وركزنا على الجراح، ولم نسلط الضوء على الشفاء. واختلفنا حول التاريخ، أكثر مما اجتمعنا على القيم التي جسدها الإمام زين العابدين.
إن الأمم لا تُقاس فقط بطريقة روايتها لتاريخها، بل تُقاس أيضًا بالشخصيات التي تختار أن تقدمها قدوةً لأبنائها وللعالم. وإذا كانت كربلاء قد علمتنا معنى التضحية، فإن الإمام علي زين العابدين علّمنا كيف نحمي تلك التضحية من أن تتحول إلى كراهية، وكيف نصون الذاكرة من أن تصبح وقودًا للانتقام. وهذا، في تقديري، أحد أعظم الدروس الحضارية التي قدمها الإسلام للإنسانية.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا اليوم هو: كم خسرنا حين اختزلنا الإمام علي زين العابدين في كونه أحد الناجين من كربلاء، ولم نقدمه للعالم بوصفه أحد أعظم بناة الإنسان في التاريخ الإسلامي؟
لقد عرف العالم كثيرًا من دعاة السلام والمصالحة، واحتفى بشخصيات استطاعت أن تتجاوز آلامها لتخدم الإنسانية، بينما بقي الإمام علي زين العابدين، وهو أحد أروع النماذج في هذا الباب، حبيس كتب التراث، ولم يأخذ مكانه اللائق في الخطاب الإسلامي المعاصر، فضلًا عن الخطاب الإنساني العالمي.
إن هذه الشخصية لا ينبغي أن تبقى موضوعًا للخطب والدروس فحسب، بل ينبغي أن تُقدَّم للعالم في الكتب، والجامعات، ووسائل الإعلام، وتُترجم سيرتها إلى مختلف اللغات، لأنها تقدم نموذجًا يحتاج إليه الإنسان المعاصر؛ نموذج الإنسان الذي رفض أن تسممه المأساة، وأن تحوله الجراح إلى أسير للكراهية.
إن البشرية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من قصص الانتقام، فهي تعيشها كل يوم على شاشات الأخبار. لكنها بحاجة إلى رجال ونساء يعلمونها كيف يمكن للإنسان أن يخرج من أقسى المآسي وهو أكثر رحمة، وأعمق إيمانًا، وأعظم إنسانية.
ولو قدم المسلمون الإمام علي زين العابدين للعالم كما ينبغي، لوجدت الإنسانية فيه نموذجًا عالميًا للثبات الأخلاقي، والصبر الجميل، والتعافي من الصدمات، والانتصار على الكراهية.
إنه ليس إمامًا للمسلمين وحدهم.
بل هو هدية الإسلام إلى الإنسانية.
ففي عصر تتوارث فيه بعض الشعوب الأحقاد جيلًا بعد جيل، يقدم الإمام علي زين العابدين نموذج الإنسان الذي رفض أن يورث أبناءه الكراهية، وورثهم بدلًا من ذلك القرآن، والعبادة، والأخلاق، والدعاء، والإصلاح.
إن عالمنا المعاصر يتحدث كثيرًا عن معالجة الصدمات النفسية، والمصالحة المجتمعية، والعدالة الانتقالية، وكسر دوائر العنف. وهذه كلها معانٍ نجد جذورها حاضرة في سيرة الإمام علي زين العابدين، ولكن بلغة الإيمان، وبمنهج الوحي، وبأخلاق النبوة.
لقد رفض أن يكون أسيرًا لكربلاء.
ورفض أن تتحول المأساة إلى هوية.
ورفض أن يصبح الألم مشروعًا دائمًا لإنتاج الكراهية.
وهنا تكمن عظمته.
لقد انتصر على نفسه قبل أن ينتصر على غيره.
وانتصر على الكراهية قبل أن ينتصر على خصومه.
وانتصر للقرآن قبل أن ينتصر للتاريخ.
إن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على محبة الإمام علي زين العابدين وآل بيت رسول الله ﷺ، فمحبتهم دين نتقرب به إلى الله، وإنما تمتد إلى تقديم هذا الإمام للعالم بوصفه أحد أعظم النماذج الإنسانية التي أنجبتها الحضارة الإسلامية.
إنه حفيد خاتم الأنبياء ﷺ، وسليل بيت النبوة، ووارث أخلاق جده، وحامل رسالة الأنبياء في الرحمة والهداية وإصلاح الإنسان.
ولو عرف العالم علي زين العابدين كما عرف غيره من رموز السلام والإصلاح، لأدرك أن الحضارة الإسلامية لم تُخرّج رجالًا يعلمون الناس كيف ينتصرون في المعارك فحسب، بل كيف ينتصرون على أنفسهم، وعلى غضبهم، وعلى أحقادهم.
لقد احتاج المسلمون إلى الإمام الحسين رضي الله عنه ليبقى معنى التضحية بالحق حيًا في الضمير، واحتاجوا إلى الإمام علي زين العابدين ليعلموا كيف يعيشون بعد المأساة دون أن يفقدوا إنسانيتهم.
ولعل أعظم ما يمكن أن يقال في الإمام علي زين العابدين أنه لم يكن بطلًا لأنه نجا من كربلاء، بل لأنه لم يسمح لكربلاء أن تسكن قلبه.
ورث الجراح، لكنه لم يورثها كراهية.
ورث الألم، لكنه لم يحوله إلى انتقام.
ورث المأساة، لكنه حوّلها إلى عبادة، وإصلاح، ورحمة.
وهكذا بقي، بعد أربعة عشر قرنًا، شاهدًا على أن أعظم انتصارات الإنسان ليست تلك التي يهزم فيها خصومه، وإنما تلك التي يهزم فيها غضبه، وينتصر فيها على أحقاده، ويظل وفيًّا لرسالة الله مهما عظمت المحن.
ذلك هو الإمام علي زين العابدين… الرجل الذي هزم الكراهية، وترك للبشرية كلها درسًا خالدًا في أن الإيمان يستطيع أن ينتصر على الألم، وأن الرحمة أقوى من الانتقام، وأن بناء الإنسان أعظم من الانشغال بجراح التاريخ.
لقد أنجبت كربلاء شهيدًا عظيمًا هو الإمام الحسين رضي الله عنهما، وأنجبت أيضًا مُصلحًا عظيمًا هو الإمام علي زين العابدين. حفظ الأول للأمة معنى التضحية، وحفظ الثاني للأمة معنى الرحمة. ولا تستقيم رسالة الإسلام إلا بهما معًا.







