الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: المنظور السياسي والإعلامي لمباراة مصر والأرجنتين !
مقالات للرأي
اصبحت البطولات الرياضية الكبرى جزءًا من المشهد السياسي والإعلامي العالمي، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، وتتحول فيها كرة القدم أحيانًا إلى منصة تعكس موازين القوة والنفوذ أكثر مما تعكس أداء اللاعبين داخل المستطيل الأخضر.
من هنا أثار رفع المدير الفني للمنتخب المصري، حسام حسن، علم فلسطين جدلًا واسعًا بين مؤيد ومعارض. واعترض البعض على هذا التصرف انطلاقًا من مبدأ الفصل بين السياسة والرياضة، وهو مبدأ يبدو نظريًا أكثر منه واقعيًا. فالتجارب الدولية تؤكد أن السياسة لم تغادر الملاعب يومًا، وأن الرياضة كثيرًا ما أصبحت امتدادًا للصراع السياسي والثقافي والإعلامي بين الدول
ولعل ما شهدته مباراة مصر والأرجنتين يؤكد أن السياسة كانت حاضرة، سواء أعلنها أحد أم لم يعلنها حتى ولو لم يرفع حسام حسن العلم الفلسطيني! كما أن الالتفاف العربي الواسع خلف المنتخب المصري لم يكن مجرد تشجيع رياضي، بل حمل أبعادًا تتجاوز حدود كرة القدم، إذ رأى الإعلام العربي في المنتخب المصري ممثلًا لكرامة عربية تسعى لإثبات حضورها في واحدة من أكبر المحافل الرياضية العالمية مع منتخب المغرب
وفي هذا السياق، يصبح الانتصار السياسي، في نظر كثيرين، أكثر أهمية من مجرد تحقيق فوز رياضي إذا كانت المنافسة تُدار بمعايير غير متكافئة.
ولا تقتصر القيمة الحقيقية لأي بطولة على النتائج، وإنما ترتبط أيضًا بعدالة المنافسة وشفافية التحكيم وتكافؤ الفرص بين جميع المنتخبات.
وقد شعر قطاع واسع من الجماهير المصرية والعربية بأن المباراة شهدت قرارات تحكيمية أثارت كثيرًا من علامات الاستفهام، خاصة في بعض اللحظات الحاسمة التي انعكست على سير اللقاء.
كما رأى كثير من المتابعين أن المنتخب الأرجنتيني ابتعد في بعض المواقف عن روح اللعب النظيف، وهو ما زاد من حالة الاحتقان الجماهيري، وأعاد إلى الواجهة النقاش القديم حول نزاهة إدارة بعض المباريات الكبرى.
لكن من المهم أيضًا التمييز بين الانطباعات الجماهيرية والشحن الإعلامي والحقائق المثبتة. إن اتهام أي جهة، بما في ذلك الاتحاد الدولي لكرة القدم، بالتعمد أو الفساد أو التلاعب بنتائج المباريات يحتاج إلى أدلة قانونية ووقائع موثقة، وليس إلى الاستنتاجات وحدها، مهما كانت قوة المشاعر التي صاحبت المباراة أو حجم الجدل الذي أثارته وفي اعتقادي هذا دور الاتحاد المصري لكرة القدم لرفع قضية أمام المحكمة الرياضية الدولية!
ومع ذلك، فإن مجرد انتشار شعور الظلم بين ملايين المشجعين يمثل في حد ذاته أزمة ثقة تستحق التوقف عندها في وسائل الإعلام التقليدي والرقمي خاصة أن الرياضة العالمية لا تكتسب مشروعيتها إلا عندما يثق الجمهور في أن المنافسة تُحسم داخل الملعب، وليس خارجه، وأن جميع المنتخبات تخضع للمعايير نفسها دون تمييز عنصري أو أفضلية مصالح في أغلبها تشير إليها اصابع الاتهام!
لقد أثبت المنتخب المصري في هذه البطولة أنه يمتلك شخصية قوية وقدرة على منافسة مدارس كروية عريقة، وأنه قادر على إرباك حسابات المنتخبات الكبرى مهما كانت الفوارق الفنية أو التاريخية.
وهذه الحقيقة وحدها تمثل مكسبًا مهمًا، بغض النظر عن نتيجة المباراة، لأنها تؤكد أن الكرة المصرية تستطيع أن تكون رقمًا صعبًا متى توافرت لها البيئة المناسبة والإعداد الجيد.
ويبقى الدرس الأهم أن الرياضة والسياسة ستظلان متداخلتين في عالم اليوم، سواء تعلق الأمر بالرموز التي يرفعها اللاعبون، أو بالمواقف التي تتخذها الجماهير، أو بالرسائل التي تحملها البطولات الدولية ولذلك فإن الحديث عن الفصل الكامل بينهما يبدو أقرب إلى الاعتبارات الأمنية منه إلى الواقع !
إن الدفاع عن العدالة الرياضية لا يتعارض مع احترام المؤسسات الدولية، بل يدفع إلى المطالبة بمزيد من الشفافية والمساءلة، لأن المصداقية في البطولات الكبرى هي رأس مالها الحقيقي.
وكلما شعر الجمهور بأن المنافسة عادلة، ازدادت قيمة الإنجاز الرياضي، أما إذا تراجعت الثقة، فإن أي انتصار سيفقد جزءًا من بريقه، ويبقى القول إن القاسم المشترك بين السياسة والرياضة هو الحماس والجماهير ما سيطرح المزيد من التساؤلات التي تبحث عن إجابات لكي تقنع الرأي العام !






