مقالات الرأى

لواء دكتور أحمد زغلول مهران يكتب: إعلان القاهرة للعدالة الرياضية ومناهضة العنصرية

مقالات للرأي

 

لواء دكتور أحمد زغلول مهران يكتب: إعلان القاهرة للعدالة الرياضية ومناهضة العنصرية

وثيقة عربية من أجل أن تبقى الرياضة رسالة سلام إن ما شهدناه من نقاشات حول معاملة بعض المسافرين بسبب جنسياتهم وما أثارته بعض المباريات الكبرى من تساؤلات حول العدالة والشفافية يؤكد أن العالم بحاجة إلى تجديد التزامه بالقيم التي قامت عليها الرياضة الحديثة فالرياضة ليست صناعةً للترفيه فقط بل إحدى أهم أدوات التقارب بين الشعوب وصناعة للثقة وبناء للسلام ومن هذا المنطلق ندعو إلى تبني المبادئ الآتية :

*١- الإنسان أولاً*

لا يجوز أن يكون لون جواز السفر أو الجنسية أو العرق أو الدين أو اللغة سبباً في الانتقاص من كرامة أي إنسان أو في معاملته بصورة تمييزية .

*٢- العدالة أساس المنافسة*

لا تكتمل قيمة أي بطولة إلا إذا شعر جميع المشاركين والجماهير بأن قواعد اللعبة تُطبق على الجميع بالمعيار نفسه دون تفضيل أو تحيز .

*٣- الشفافية تصنع الثقة*

كلما ازدادت شفافية القرارات التحكيمية ووضوح آليات المراجعة وتكافؤ عرض اللقطات المؤثرة ازدادت ثقة الجماهير في نزاهة المنافسة وتراجع الجدل الذي يرافق المباريات الكبرى .

*٤- لا مكان للعنصرية*

العنصرية بجميع صورها تُسيء إلى الرياضة قبل أن تُسيء إلى ضحاياها ومواجهتها مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الاتحادات الرياضية والإعلام واللاعبين والجماهير .

*٥- الرياضة قوة ناعمة لبناء السلام*

ينبغي أن تبقى الملاعب مساحة يلتقي فيها البشر على الاحترام المتبادل لا ساحةً للاستقطاب أو الكراهية أو إقصاء الآخر .

*٦- تمكين الكفاءات من مختلف القارات*

تعزيز التنوع في اللجان التحكيمية والإدارية والفنية وفق معايير الكفاءة والاستقلالية يسهم في ترسيخ الثقة وإثراء الخبرات داخل المنظومة الرياضية .

*٧- التكنولوجيا في خدمة العدالة*

التقنيات الحديثة بما فيها أنظمة مراجعة القرارات وُجدت لتعزيز العدالة وتقليل الأخطاء وينبغي تطويرها باستمرار بما يحقق أعلى درجات الشفافية ويُطمئن الجماهير إلى سلامة الإجراءات .

*٨- احترام كرامة الشعوب*

قوة الدولة أو ضعفها لا ينبغي أن تحدد مقدار الاحترام الذي يحظى به مواطنوها فالكرامة الإنسانية حق أصيل لا يرتبط بظروف سياسية أو اقتصادية .

*٩- الرياضة جسر للحوار*

عندما تتنافس المنتخبات داخل الملعب يجب أن تتصافح الشعوب خارجه فالفوز الحقيقي هو بناء جسور الثقة والتفاهم بين الأمم .

*١٠- مستقبل أكثر عدلاً*

ندعو إلى إطلاق حوار دولي دائم حول أفضل السبل لتعزيز النزاهة والشفافية ومكافحة جميع أشكال التمييز في الرياضة بما يجعلها نموذجاً عالمياً في المساواة واحترام الإنسان .

*رسالة مفتوحة إلى المجتمع الدولي*

إن العالم العربي لا يطلب معاملة استثنائية ولا يبحث عن امتيازات خاصة وإنما يطالب بتطبيق المبادئ التي اتفقت عليها الإنسانية والعدالة والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية لقد أثبتت التجارب أن الشعوب لا تنسى المواقف التي تُشعرها بالإنصاف كما لا تنسى اللحظات التي تشعر فيها بأن صوتها لم يُسمع ومن هنا فإننا ندعو إلى أن تكون البطولات الرياضية الكبرى مناسبة لتجديد الالتزام بهذه القيم وأن تتحول الرياضة إلى نموذج عملي لما يمكن أن يكون عليه العالم عندما تتقدم العدالة على الانحياز والحوار على الخصومة والإنسانية على التمييز .
*الكلمة الأخيرة •• حين يصبح العدل هو البطولة الحقيقية*

قد تنتهي المباراة بإطلاق صافرة الحكم وقد تُطوى صفحات البطولة ويعود كل منتخب إلى بلاده لكن التاريخ لا يحتفظ فقط بنتائج المباريات بل يحتفظ أيضاً بالرسائل التي صنعتها وبالقيم التي دافعت عنها وبالمواقف التي غيّرت وعي الشعوب لقد أثبتت هذه البطولة أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة يتنافس فيها اثنان وعشرون لاعباً على تسجيل الأهداف بل أصبحت لغة عالمية تتحدث بها الإنسانية ومنصةً يرى العالم من خلالها نفسه بعدالته حيناً وبأخطائه حيناً آخر ولهذا فإن أي شعور بغياب العدالة أو أي مظهر من مظاهر التمييز أو أي إحساس بأن ميزان الإنصاف قد اختل لا ينعكس على نتيجة مباراة فحسب بل يترك أثراً في ثقة ملايين البشر بالمؤسسات التي تدير اللعبة ومن هنا فإن رسالتنا ليست دفاعاً عن منتخب ولا اعتراضاً على نتيجة ولا دعوة إلى خصومة مع أحد إنها دعوة إلى أن تكون العدالة قيمةً لا تعرف الاستثناء وأن يبقى القانون هو الحكم الوحيد داخل الملعب وخارجه لقد علمتنا قصة المواطن اليمني أن الإنسان قد يحمل فوق كتفيه أعباء وطن أنهكته الحروب وأن الوثيقة التي يحملها قد تفتح له أبواباً أو تغلقهالكنها لا ينبغي أبداً أن تحدد مقدار احترامه أو كرامته وعلمتنا الرياضة أن الشعوب قد تختلف في اللغات والثقافات لكنها تجتمع دائماً حول قيمة واحدة هي الإنصاف ولذلك فإننا ندعو المجتمع الدولي إلى ترسيخ ثقافة جديدة يكون معيارها أن الكرامة الإنسانية حق لا يرتبط بجنسية ولا بلون ولا بدين ولا بقدرة اقتصادية ولا بقوة دولة فالإنسان لا ينبغي أن يُقاس بما يحمله في جيبه من وثائق بل بما يحمله في داخله من إنسانية .

كما ندعو المؤسسات الرياضية الدولية إلى مواصلة تطوير منظومات التحكيم والبث والرقابة والشفافية بما يعزز ثقة الجماهير ويؤكد أن العدالة ليست مجرد هدف تسعى إليه الرياضة بل هي الأساس الذي يمنحها مشروعيتها واحترامها .

أما نحن في العالم العربي فإن هذه اللحظة يجب ألا تكون مجرد لحظة تعاطف عاطفي بل بداية لمرحلة جديدة من العمل المشترك مرحلة تُبنى على احترام الإنسان والدفاع عن الكرامة وتعزيز التعاون في ميادين الرياضة والثقافة والتعليم والإعلام وإعداد كوادر عربية قادرة على الإسهام في المؤسسات الدولية بروح الكفاءة والمسؤولية .

إن وحدة العرب لا ينبغي أن تقوم على مواجهة أحد وإنما على الالتفاف حول مشروع حضاري يجعل العدالة والكرامة واحترام الإنسان قواسم مشتركة بين جميع أبنائه فحين تتوحد الإرادة حول هذه المبادئ يصبح الحضور العربي أكثر تأثيراً ويصبح الحوار مع العالم أكثر قوة واتزاناً .

إننا لا نطلب امتيازاً ولا نبحث عن معاملة استثنائية بل نطالب بحق بسيط وعظيم في آنٍ واحد أن يكون ميزان العدالة واحداً للجميع .

فإذا كان القانون يساوي بين البشر أمام القضاء فيجب أن تساوي الرياضة بينهم داخل الملعب وأن تساوي الإنسانية بينهم في كل مطار وكل معبر وكل مؤسسة وكل مكان على هذه الأرض وربما يكون أعظم ما يمكن أن تتركه هذه البطولة للعالم ليس اسم البطل الذي رفع الكأس وإنما الفكرة التي رفعتها فوق كل الكؤوس أن العدالة هي أعظم انتصار يمكن أن تحققه البشرية سيبقى الأبطال في ذاكرة الرياضة سنوات وقد تُنسى نتائج المباريات مع مرور الزمن لكن الشعوب لا تنسى من احترم إنسانيتها ولا تغفر لمن انتقص من كرامتها .

ولهذا فإن رسالتنا الأخيرة إلى العالم هي :

اجعلوا كرة القدم كما أرادتها الإنسانية مساحةً يلتقي فيها البشر على قدم المساواة لا ساحةً يشعر فيها أحد بأنه أقل قيمة بسبب جنسيته أو هويته أو ظروف وطنه واجعلوا العدالة هي الكأس التي يفوز بها الجميع لأنها البطولة الوحيدة التي لا ينبغي أن يخسرها أحد فالعدالة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات بل مسؤولية تُمارس كل يوم والكرامة ليست منحةً تمنحها الدول بل حق أصيل لكل إنسان وعندما تنتصر العدالة تنتصر الرياضة وتنتصر الأوطان وتنتصر الإنسانية كلها .

تحيا مصر •• حاملةً لرسالة السلام والاعتدال وتحية لكل أمة تؤمن بأن قوة الأوطان لا تُقاس بما تملكه من سلاح أو ثروة فقط بل بما ترسخه من عدل وما تصونه من كرامة وما تبنيه من جسور إنسانية بين الشعوب .

زر الذهاب إلى الأعلى